حين تتحول الايجارات من حق انساني الي فوضى بلارقيب

العودة إلى الخرطوم… حين تتحول الإيجارات من حقٍ إنساني إلى فوضى بلا رقيب

بقلم: محمد سومي كافي أبو نسيبة

عمود رأي – ميزان القيم

لم تكن العودة إلى الخرطوم مجرد قرار مكاني، بل كانت حلمًا مؤجلًا لآلاف الأسر التي أنهكتها الغربة القسرية، وشردتها ظروف الحرب، وراكمت في ذاكرتها شوقًا لا يُقاس للبيوت، للأحياء، للشارع الذي يعرف أسماء ساكنيه. غير أن هذا الحلم، ما إن بدأ يتجسد، حتى اصطدم بواقعٍ أقسى من الغياب نفسه: فوضى الإيجارات، واستغلال الحاجة، وغياب الدور الرقابي للدولة.

الخرطوم التي تستقبل أبناءها اليوم لا تفعل ذلك بذات الرحابة التي عُرفت بها، بل تواجههم بسوق إيجاراتٍ منفلت، لا تحكمه قيمة، ولا يضبطه قانون، ولا تردعه رقابة. أسعار تقفز بلا مبرر، عقود تُفرض بشروط مجحفة، وسماسرة باتوا يتحكمون في مصير الناس أكثر من المؤسسات المختصة.

حين تُستغل الحاجة وتُغتال القيم

في أوقات الأزمات، تُختبر الأخلاق قبل القوانين. وما يحدث اليوم في سوق الإيجارات يكشف خللًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا. فاستغلال حاجة الناس للسكن، ورفع الإيجارات بصورة تعسفية، وطلب مقدمات خيالية، ليست ممارسات سوق حرة كما يُروج لها البعض، بل انتهاك صريح لحق السكن الكريم، وضرب مباشر لقيم التكافل والتراحم التي تماسك بها المجتمع السوداني في أقسى محنه.

الأخطر من ذلك أن هذا الاستغلال يتم في ظل صمتٍ رقابي مريب. فلا تسعيرة استرشادية، ولا لجان متابعة فاعلة، ولا آليات واضحة لتلقي شكاوى المواطنين أو حمايتهم من الجشع المنظم. وكأن الدولة، في هذا الملف، قررت الغياب في اللحظة التي كانت الحاجة إليها أشد.

العودة لا تكتمل بلا استقرار سكني

الحديث عن إعادة الإعمار، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وبعث الاقتصاد، يظل خطابًا منقوصًا ما لم يُحسم ملف السكن. فلا استقرار لأسرة بلا مأوى آمن، ولا إنتاج لموظف يطارد الإيجار نصف راتبه، ولا تعافٍ لمدينة يُثقل كاهل ساكنيها الخوف من الطرد أو الزيادة المفاجئة.

إن استقرار الإيجارات ليس رفاهية، بل شرط أساسي للعودة الآمنة والمنظمة. وهو مسؤولية مشتركة، تبدأ من الدولة بسياساتها وقوانينها، ولا تنتهي عند وعي المجتمع وضمير المُلّاك.

أين الدور الرقابي؟

غياب الدور الرقابي لا يعني فقط غياب جهة، بل غياب منظومة كاملة:

غياب التشريعات الواضحة المنظمة للإيجارات في الطوارئ.

غياب المحليات عن أداء دورها التنفيذي.

غياب الدولة عن ضبط السوق ومنع السمسرة الجائرة.

وهنا لا بد من القول بوضوح: ترك السوق بلا ضابط في ظرف استثنائي هو مشاركة غير مباشرة في الظلم. فالأزمات لا تُدار بعقلية “دعه يعمل”، بل بحسٍ اجتماعي ومسؤولية وطنية.

ميزان القيم: العودة مسؤولية لا فرصة للنهب

في ميزان القيم، لا يجوز أن تتحول العودة إلى الخرطوم إلى فرصة للثراء السريع على حساب وجع الناس. ولا يليق بمدينة كانت ملاذًا لكل السودان أن تُقابل أبناءها بفاتورة قاسية عنوانها الجشع.

المطلوب اليوم ليس فقط قرارات إدارية، بل استعادة للضمير العام، وتفعيل حقيقي للرقابة، وسَنّ إجراءات عادلة توازن بين حق المالك وحق المستأجر، وتحمي المجتمع من الانزلاق إلى فوضى تُهدد السلم الاجتماعي.

فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الحجر، بل إلى إعادة بناء القيم.

وعودة الناس لن تكون آمنة ولا كريمة، ما لم يُعاد ضبط هذا الميزان المختل.

إ

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.