اعادة انتاج ازمة الثقة بالسودان

مجلس تشريعي بالتعيين هو بمثابة إعادة إنتاج أزمة الثقة في السودان

بقلم/دكتور على كودى تربة انجلو

متابعات / افاق برس

 

في ظل الحرب المدمرة التي يشهدها السودان حالياً، وما خلّفته من مأساة إنسانية غير مسبوقة، عادت الدعوات لتشكيل مجلس تشريعي غير منتخب إلى الواجهة، ورغم أن هذه الدعوات تستند إلى ظروف استثنائية تمر بها البلاد، الا انها تعيد إنتاج ذات المعضلة التي لازمت التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال و المتمثلة فى أزمة الثقة بين النخب الحاكمة والشعب. غير أن الأمر اليوم لم يعد مقتصراً على أزمة ثقة سياسية فحسب؛ فالحرب الراهنة لم تكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة و مقومات الحياة عموما، بل أحدثت شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي السوداني، وهو شرخ إن لم يُعالج بحكمة ومسؤولية، فقد يهدد وحدة المجتمع على المدى البعيد.

 

على امتداد التاريخ السياسي للسودان، درجت النخب السياسية على تجاوز الإرادة الشعبية، وظل الحكم ينتقل ما بين أنظمة عسكرية و تحالفات سياسية غير مستقرة، ادعت جميعها تمثيل الشعب دون أن تمنحه فرصة حقيقية ومستدامة لاختيار من ينوب عنه الا فى حدود ضيقة لم تصمد كثيرا. الان وفي ظل ظروف بالغة التعقيد، تُطرح فكرة إنشاء مجلس تشريعي بالتعيين باعتبارها حلاً عملياً للأزمة، متجاهلة أن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب مجلس تشريعي، بل في غياب المشروعية والثقة. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، من يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية لتعيين مجلس يُعبّر فعلاً عن إرادة الشعب؟ المفارقة أن القوى التي لم تنجح في منع الانزلاق إلى الحرب، وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعميق الانقسامات، هي ذاتها التي تسعى اليوم لتحديد من يمثل المواطنين.

 

لطالما ظلت التحولات السياسية في السودان تدار عبر ترتيبات نخبوية مغلقة، تُصاغ بعيداً عن أعين الجمهور و تُبنى في الغرف المغلقة، مع تسويات تُبرم دون مشاركة شعبية حقيقية، يصبح الحديث عن الاستقرار السياسي أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع.

كان من المتوقع أن توفر الحرب فرصة لمراجعة جوهرية حقيقية وتصحيح مسار السياسة، ولكن الأدلة تشير إلى أن بعض النخب عادت للاعتماد على الشرعية الشكلية من خلال التعيين، مع غياب موقف واضح وحاسم تجاه خيار الانتخابات، حتى في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وهذا النهج يعزز الاعتقاد بأن مخاوف من صوت الشعب لا تزال تلعب دورًا في صنع القرارات السياسية.

 

الأخطر من أزمة المشروعية السياسية التى تبحث عنها النخب حاليا هو ما أحدثته هذه الحرب من تفكك اجتماعي واسع ادت الى تشريد ملايين النازحين والمهجرين، تصاعد خطاب الكراهية، الاستقطاب الحاد على أسس جهوية وعرقية، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع كل ذلك جعل من إعادة بناء النسيج الاجتماعي أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء مؤسسات الدولة.

إن تشكيل مجلس تشريعي بالتعيين في هذا السياق قد يُفسَّر لدى قطاعات واسعة باعتباره استمراراً لإقصاء بعض المكونات، أو ترسيخاً لهيمنة فئة على أخرى، مما يعمق الإحساس بالغبن ويغذي الانقسامات القائمة، فكيف يمكن لمجلس معين أن يمثل ملايين المتضررين من الحرب، وهو لم ينبثق عن إرادة شعبية جامعة؟ وكيف يمكن أن يسهم في المصالحة الوطنية إذا كانت آلية تشكيله نفسها موضع تشكيك؟ ان إعادة ترميم الثقة المجتمعية تتطلب إشراكاً حقيقياً وشفافاً، يشعر معه المواطن أياً كان موقعه الجغرافي أو الاجتماعي بأنه جزء من عملية إعادة البناء، لا متفرجاً عليها.

في تجارب دول أخرى مرت بمراحل انتقال معقدة، كانت الشرعية الانتخابية أو شبه الانتخابية جزءاً أساسياً من إعادة بناء الثقة. ففى جنوب أفريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، لم تكتفِ النخب بترتيبات انتقالية مغلقة، بل جرت انتخابات عامة أفرزت جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد ضمن إطار حكومة وحدة وطنية فاتت الشرعية عبر صناديق الاقتراع، لا عبر التعيين. في تونس عقب ثورة 2011، أُنشئت هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات ضمت ممثلين عن مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية، مما أسهم في بناء حد أدنى من الثقة في المسار الانتقالي. أما في كولومبيا، فبعد اتفاق السلام مع حركة فارك، أُنشئت دوائر انتخابية خاصة لتمثيل المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، لضمان إدماج أصوات الضحايا والمجتمعات المهمشة داخل البرلمان. لذلك تؤكد هذه التجارب أن التعيين قد يكون إجراءً انتقالياً محدوداً، لكنه لا يغني عن آليات تضمن تمثيلاً حقيقياً وتُنتج شرعية قابلة للاستدامة.

فى تقديرى بدلاً من التعيين المطلق، يمكن التفكير في خيارات أكثر اتزاناً، من بينها:

1. انشاء هيئة تشريعية انتقالية هجينة يُنتخب جزء من أعضائها في المناطق الآمنة، ويُخصص جزء لتمثيل المناطق المتضررة عبر آليات توافق مؤقتة، مع جدول زمني واضح للانتقال الكامل إلى نظام انتخابي.

2. إشراك المجتمع المدني والنقابات ومنحها دوراً فاعلاً في الترشيح أو المراقبة، بما يعزز الشفافية ويحد من احتكار القرار.

3. انشاء هيئة رقابية مستقلة غير تابعة للحكومة، تشرف على العملية الانتقالية، مع مشاركة مراقبين إقليميين أو دوليين لتعزيز المصداقية.

4. إدماج مسار للمصالحة المجتمعية و ربط أي ترتيبات تشريعية انتقالية ببرنامج وطني لإعادة بناء الثقة الاجتماعية، يتضمن آليات للعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، ومكافحة خطاب الكراهية.

ان الثقة لا تُبنى بقرارات فوقية، ولا تُكتسب بمجرد إنشاء هياكل مؤسسية دون تفويض شعبي و انما تتشكل عبر المشاركة الحقيقية، والشفافية، واحترام إرادة المواطنين.

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإما الاستمرار في إنتاج صيغ شكلية تعمّق أزمة الثقة وتزيد من تمزق النسيج الاجتماعي، أو الشروع في مسار جديد يعترف بالشعب مصدراً وحيداً للشرعية، وشريكاً أساسياً في إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً. فالشعب السوداني، الذي دفع أثمان الحرب والانقسام، لا يحتاج فقط إلى مجلس تشريعي، بل إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تماسكه الداخلي ويؤسس لسلام مستدام قائم على العدالة والمشاركة الحقيقية.

برس

 

في ظل الحرب المدمرة التي يشهدها السودان حالياً، وما خلّفته من مأساة إنسانية غير مسبوقة، عادت الدعوات لتشكيل مجلس تشريعي غير منتخب إلى الواجهة، ورغم أن هذه الدعوات تستند إلى ظروف استثنائية تمر بها البلاد، الا انها تعيد إنتاج ذات المعضلة التي لازمت التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال و المتمثلة فى أزمة الثقة بين النخب الحاكمة والشعب. غير أن الأمر اليوم لم يعد مقتصراً على أزمة ثقة سياسية فحسب؛ فالحرب الراهنة لم تكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة و مقومات الحياة عموما، بل أحدثت شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي السوداني، وهو شرخ إن لم يُعالج بحكمة ومسؤولية، فقد يهدد وحدة المجتمع على المدى البعيد

على امتداد التاريخ السياسي للسودان، درجت النخب السياسية على تجاوز الإرادة الشعبية، وظل الحكم ينتقل ما بين أنظمة عسكرية و تحالفات سياسية غير مستقرة، ادعت جميعها تمثيل الشعب دون أن تمنحه فرصة حقيقية ومستدامة لاختيار من ينوب عنه الا فى حدود ضيقة لم تصمد كثيرا. الان وفي ظل ظروف بالغة التعقيد، تُطرح فكرة إنشاء مجلس تشريعي بالتعيين باعتبارها حلاً عملياً للأزمة، متجاهلة أن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب مجلس تشريعي، بل في غياب المشروعية والثقة. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، من يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية لتعيين مجلس يُعبّر فعلاً عن إرادة الشعب؟ المفارقة أن القوى التي لم تنجح في منع الانزلاق إلى الحرب، وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعميق الانقسامات، هي ذاتها التي تسعى اليوم لتحديد من يمثل المواطنين.

لطالما ظلت التحولات السياسية في السودان تدار عبر ترتيبات نخبوية مغلقة، تُصاغ بعيداً عن أعين الجمهور و تُبنى في الغرف المغلقة، مع تسويات تُبرم دون مشاركة شعبية حقيقية، يصبح الحديث عن الاستقرار السياسي أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع.

كان من المتوقع أن توفر الحرب فرصة لمراجعة جوهرية حقيقية وتصحيح مسار السياسة، ولكن الأدلة تشير إلى أن بعض النخب عادت للاعتماد على الشرعية الشكلية من خلال التعيين، مع غياب موقف واضح وحاسم تجاه خيار الانتخابات، حتى في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وهذا النهج يعزز الاعتقاد بأن مخاوف من صوت الشعب لا تزال تلعب دورًا في صنع القرارات السياسية.

الأخطر من أزمة المشروعية السياسية التى تبحث عنها النخب حاليا هو ما أحدثته هذه الحرب من تفكك اجتماعي واسع ادت الى تشريد ملايين النازحين والمهجرين، تصاعد خطاب الكراهية، الاستقطاب الحاد على أسس جهوية وعرقية، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع كل ذلك جعل من إعادة بناء النسيج الاجتماعي أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء مؤسسات الدولة.

 

إن تشكيل مجلس تشريعي بالتعيين في هذا السياق قد يُفسَّر لدى قطاعات واسعة باعتباره استمراراً لإقصاء بعض المكونات، أو ترسيخاً لهيمنة فئة على أخرى، مما يعمق الإحساس بالغبن ويغذي الانقسامات القائمة، فكيف يمكن لمجلس معين أن يمثل ملايين المتضررين من الحرب، وهو لم ينبثق عن إرادة شعبية جامعة؟ وكيف يمكن أن يسهم في المصالحة الوطنية إذا كانت آلية تشكيله نفسها موضع تشكيك؟ ان إعادة ترميم الثقة المجتمعية تتطلب إشراكاً حقيقياً وشفافاً، يشعر معه المواطن أياً كان موقعه الجغرافي أو الاجتماعي بأنه جزء من عملية إعادة البناء، لا متفرجاً عليها.

 

في تجارب دول أخرى مرت بمراحل انتقال معقدة، كانت الشرعية الانتخابية أو شبه الانتخابية جزءاً أساسياً من إعادة بناء الثقة. ففى جنوب أفريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، لم تكتفِ النخب بترتيبات انتقالية مغلقة، بل جرت انتخابات عامة أفرزت جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد ضمن إطار حكومة وحدة وطنية فاتت الشرعية عبر صناديق الاقتراع، لا عبر التعيين. في تونس عقب ثورة 2011، أُنشئت هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات ضمت ممثلين عن مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية، مما أسهم في بناء حد أدنى من الثقة في المسار الانتقالي. أما في كولومبيا، فبعد اتفاق السلام مع حركة فارك، أُنشئت دوائر انتخابية خاصة لتمثيل المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، لضمان إدماج أصوات الضحايا والمجتمعات المهمشة داخل البرلمان. لذلك تؤكد هذه التجارب أن التعيين قد يكون إجراءً انتقالياً محدوداً، لكنه لا يغني عن آليات تضمن تمثيلاً حقيقياً وتُنتج شرعية قابلة للاستدامة.

فى تقديرى بدلاً من التعيين المطلق، يمكن التفكير في خيارات أكثر اتزاناً، من بينها:

1. انشاء هيئة تشريعية انتقالية هجينة يُنتخب جزء من أعضائها في المناطق الآمنة، ويُخصص جزء لتمثيل المناطق المتضررة عبر آليات توافق مؤقتة، مع جدول زمني واضح للانتقال الكامل إلى نظام انتخابي.

2. إشراك المجتمع المدني والنقابات ومنحها دوراً فاعلاً في الترشيح أو المراقبة، بما يعزز الشفافية ويحد من احتكار القرار.

3. انشاء هيئة رقابية مستقلة غير تابعة للحكومة، تشرف على العملية الانتقالية، مع مشاركة مراقبين إقليميين أو دوليين لتعزيز المصداقية.

4. إدماج مسار للمصالحة المجتمعية و ربط أي ترتيبات تشريعية انتقالية ببرنامج وطني لإعادة بناء الثقة الاجتماعية، يتضمن آليات للعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، ومكافحة خطاب الكراهية.

ان الثقة لا تُبنى بقرارات فوقية، ولا تُكتسب بمجرد إنشاء هياكل مؤسسية دون تفويض شعبي و انما تتشكل عبر المشاركة الحقيقية، والشفافية، واحترام إرادة المواطنين.

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإما الاستمرار في إنتاج صيغ شكلية تعمّق أزمة الثقة وتزيد من تمزق النسيج الاجتماعي، أو الشروع في مسار جديد يعترف بالشعب مصدراً وحيداً للشرعية، وشريكاً أساسياً في إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً. فالشعب السوداني، الذي دفع أثمان الحرب والانقسام، لا يحتاج فقط إلى مجلس تشريعي، بل إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تماسكه الداخلي ويؤسس لسلام مستدام قائم على العدالة والمشاركة الحقيقية.

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.