هل اكمل البرهان استعداداته للانقلاب على البرهان

 

هل أكمل البرهان استعداداته للانقلاب على كباشي؟ 

ودك اخر حصون الدولة المتبقية …

بقلم ضحية سرير توتو

متابعات/افاق برس

تتداول أوساط صحفية وسياسية قريبة من مركز القرار في السودان أحاديث متكررة عن تغييرات وشيكة داخل مجلس السيادة الانتقالي. تارة يُقال إن الأمر يتجه نحو حلّ المجلس وإعلان البرهان نفسه رئيسًا للجمهورية، وتارة أخرى يُروَّج لتعديل في عضوية المكوّن العسكري، وكل ذلك يجري دون عملية سياسية واضحة أو إطار مؤسسي معلوم. غير أن التدقيق في هذه التسريبات يشير إلى أن جوهرها لا يستهدف إعادة هيكلة شاملة بقدر ما يتركز على إزاحة شخص واحد بعينه، هو الجنرال شمس الدين إبراهيم كباشي، نائب القائد العام وعضو مجلس السيادة.

 

المفارقة أن هذه المعلومات لا تأتي من مصادر معارضة أو خصوم سياسيين، بل من الدوائر ذاتها التي تعمل على إصدار البيان أو التحضير لهذا الانقلاب. وهي، بطبيعة الحال، لا تستند إلى إطار دستوري واضح أو مسوغات قانونية أو عملية سياسية توافقية، بقدر ما تعكس حالة قلق سياسي ومزاج سلطوي يصل حدّ التفكير في انقلاب داخل نصف بلد، وربما دوافع أعمق تتصل بتصفية مراكز قوى يُنظر إليها بوصفها عوائق أمام مشروع الجنرال عبد الفتاح البرهان للانفراد بالسلطة، وإحكام السيطرة على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد.

 

بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى هذه الترتيبات إلا بوصفها انقلابًا فعليًا على السلطة القائمة. وأي انقلاب يُفكَّر فيه في هذا التوقيت لا يصدر إلا عن تهور سياسي بالغ، إذ إن مجلس السيادة، بصيغته الحالية، نشأ في عام 2019 عقب سقوط نظام عمر البشير، كنتاج مباشر للثورة الشعبية وتوافقات سياسية مع المدنيين هدفت إلى إدارة مرحلة انتقالية معقدة، لا إلى إعادة إنتاج الحكم الفردي بأدوات جديدة، خاصة في ظل حرب شرّدت أكثر من 12 مليون سوداني، وتركت ما يقارب نصف البلاد تحت سيطرة المتمردين الذين لا يزالون يعدّون العدة للإجهاز على ما تبقى منها.

 

القضية، إذن، لا تتعلق بالضجيج الإعلامي الذي يصوّر الدولة وكأنها تُدار بواسطة “أحد عشر رئيسًا”، ولا بوجود أعضاء من حركات الكفاح المسلح الموقّعة على اتفاقية سلام جوبا، الذين يساندون الجيش في حربه ضد التمرد، ولا حتى بالأعضاء المدنيين الذين يملك البرهان عمليًا قرار الإبقاء عليهم أو إقصائهم. كما أنها لا تتصل بالترتيبات المتداولة بشأن الجنرال ياسر العطا لترفيعه رئيسًا صوريًا لهيئة أركان الجيش دون صلاحيات حقيقية، أو الجنرال إبراهيم جابر في مقعد مساعد رئيس الجمهورية، مهما كان وزن هذه التحركات في المشهد العام.

 

كل ذلك يظل هامشيًا أمام الحقيقة الأساسية: ثمة مسار يُعدّ بعناية لإزاحة شمس الدين كباشي من موقعه، لا لخلل في أدائه العسكري، بل لأنه وقف عائقًا أمام طموحات البرهان ومغامراته الطائشة، سواء في سياق الاتفاق الإطاري الذي كان يفتح الباب لتسويات مع مليشيا الدعم السريع – وهو المسار الذي قاد إلى هذه الحرب الطاحنة – أو خلال الحرب نفسها، حيث لعب كباشي دورًا مباشرًا في تماسك القوات، وإدارة والإشراف على معارك مفصلية، من بينها جبل موية، وصولًا إلى قيادة متحرك الصياد الذي أعاد ربط غرب السودان ومدينة الأبيض ببقية البلاد.

 

وجود شمس الدين كباشي داخل هرم السلطة يحمل دلالة تتجاوز شخصه، إذ يمثل، في نظر كثيرين، حضورًا معتبرًا للقوميات المستبعدة من السلطة تاريخيًا، خاصة النوبة والمناطق المهمشة في شرق السودان وغربه، بل وحتى لقوميات أُقصيت طويلًا من مراكز القرار في شمال البلاد. ومن هنا، فإن استهدافه لا يُقرأ فقط كخلاف داخل القيادة العسكرية، بل كرسالة سياسية واجتماعية ذات أبعاد خطيرة، تؤكد أن الدائرة السوداء داخل الدولة لم تعِ الدرس بعد، ولا تزال تتعامل مع مشاركة بقية القوميات في إدارة الدولة باعتبارها استثناءً لا حقًا أصيلًا، وتسعى دوماً إلى جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.

 

اللافت أن الجهات التي تمضي في هذا المسار لا تفتقر فقط إلى الغطاء الدستوري، بل تبدو غير مدركة لتداعياته السياسية والأمنية، داخليًا وخارجيًا، ولا لمخاطره على وحدة وتماسك ما تبقى من الدولة السودانية. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تعي جمهورية مصر العربية، التي أكدت مرارًا حرصها على وحدة السودان، أن التهديد الأكبر لهذه الوحدة لا يأتي من الهامش، بل من مغامرات السلطة المركزية نفسها، ومن المجموعة المسيطرة تاريخيًا على مفاصل الدولة، حين تُدار بعقلية الانفراد لا الشراكة.

 

أما أطراف اتفاقية سلام جوبا، فإن استجابتهم لمثل هذه الخطوة، إن حدثت، لن توفر لهم حماية دائمة. فالتجارب السياسية تُظهر أن الانقلابات غالبًا ما تبدأ بتحييد بعض الشركاء وتأجيل الصدام معهم، إلى أن تُستكمل السيطرة، ثم يُعاد ترتيب المشهد بإقصاء الجميع تباعًا. وينسحب الأمر ذاته على بعض أعضاء المجلس العسكري الذين قد يظنون أن مشاركتهم في هذه الترتيبات تضمن لهم موقعًا مستقرًا، في حين تشير مؤشرات عديدة إلى أن البرهان مصرّ على الهيمنة الكاملة على هيئة قيادة الجيش نفسها، بما يجعل الصدامات اللاحقة مسألة وقت، خاصة إذا ما حاول ياسر العطا ممارسة صلاحياته الفعلية كرئيس لهيئة الأركان.

 

تجري كل هذه التطورات وكأن الحرب مع الدعم السريع قد وضعت أوزارها، بينما الواقع يشير إلى العكس تمامًا. بل إن نجاح هذا “الانقلاب الزاحف”، إن تم، قد يفضي إلى إعلان هدنة مفاجئة، مصحوبة ببرنامج سياسي لتقسيم البلاد مع المتمردين كصيغة تسوية، تُسوَّق خارجيًا باعتبارها استجابة لمبادرات دولية، في مقدمتها مبادرات الرباعية، بينما تكون في حقيقتها خطوة لتكريس سلطة فردية في جزء من البلاد، لا لتأسيس سلام عادل ومستدام في وطن موحّد، كما عبّر عن ذلك البيان الرئاسي المصري.

 

ويبدو أن بعض دول الرباعية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، قد أُعطيت انطباعًا بأن هذه الترتيبات تصب في مسار الاستجابة لمبادراتها، في حين أن جوهرها الحقيقي يرتبط بطموح شخصي للبرهان للانفراد بالحكم، واعتباره أن هذه اللحظة هي الأنسب لإقصاء كل من يُحتمل أن يكون شريكًا أو منافسًا في السلطة.

 

أخيرًا، فإن شرق السودان، الذي ظل تاريخيًا أحد أكثر أقاليم البلاد حساسية وهشاشة من حيث التوازنات الاجتماعية والسياسية، فلن يكون بمنأى عن ارتدادات أي مغامرة سلطوية جديدة. فالإقليم الذي ما زال يعاني من آثار التهميش التنموي، وانفجار الصراعات القبلية، وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالموانئ والحدود، لا يحتمل إعادة إنتاج مركز سياسي مغلق يتعامل مع قضاياه بعقلية الأمن لا السياسة، وبمنطق الاحتواء المؤقت لا الحل الجذري.

 

إن أي إقصاء جديد داخل مركز السلطة، خاصة إذا طال شخصيات يُنظر إليها باعتبارها تمثل تنوع البلاد الاجتماعي والجغرافي، سيُقرأ في شرق السودان بوصفه تأكيدًا إضافيًا على أن الدولة ما زالت تُدار بذات المنظور القديم: دولة المركز الضيق، لا دولة الشراكة الوطنية. وهذا الفهم، إن ترسّخ، سيعيد تنشيط كل أشكال الاحتجاج السياسي والاجتماعي في الإقليم، ويمنح قوى الفوضى والاصطفاف القبلي مبررات جديدة للتمدد، في لحظة لا تملك فيها الدولة ترف فتح جبهة داخلية إضافية.

 

والأخطر من ذلك، أن شرق السودان يشكّل اليوم شريانًا حيويًا لما تبقى من الدولة، سواء من حيث الموانئ، أو خطوط الإمداد، أو التواصل الخارجي. وأي اهتزاز سياسي أو أمني فيه لن يكون حدثًا محليًا معزولًا، بل سيصيب قلب المعادلة الاقتصادية والأمنية للبلاد، ويضاعف من هشاشة الوضع العام. إن العبث بتوازنات السلطة في هذا التوقيت، ومن دون توافق وطني عريض، هو مقامرة بمصير ما تبقى من السودان، لا مجرد صراع داخل النخبة العسكرية.

 

خلاصة الأمر أن ما يُحضَّر اليوم، إن صحّت هذه المؤشرات، لا يمثّل “إصلاحًا” في بنية الحكم، ولا “تصحيحًا” لمسار الدولة، بل خطوة إضافية في اتجاه تفكيكها من الداخل. فالدولة التي تُدار بالانقلابات، وتُحكم بإقصاء الشركاء، وتُختزل في شخص واحد، لا يمكن أن تصمد في وجه حرب مفتوحة، ولا أن تنتج سلامًا، ولا أن تحافظ على وحدة وطن متعدد كالسودان.

 

وإذا كان ثمة درس واحد لم يُستوعَب بعد، فهو أن السودان لا يُحكم بالغلبة، ولا يُدار بمنطق كسر العظم، وأن كل محاولة لإعادة إنتاج الحكم الفردي، مهما لبست من شعارات “الضرورة” و“المرحلة الاستثنائية”، إنما تفتح الباب لانفجارات أكبر، وتُسقط آخر ما تبقى من حصون الدولة، بدل أن تحميها.

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.