صراع النخب على رفات الوطن خلف كواليس التسريبات .
بقلم: رشاد الدين دوليب. Rashadaljak@gmail.com
متابعات /افاق برس
في اللحظة التي يمتزج فيها غبار الخنادق بدماء الصادقين في ثغور السودان وتصعد أرواح الشهداء دفاعا عن الأرض والعرض وبينما يسابق الأبطال الزمن لفك حصار الدلنج وكادوقلي واستعادة غرب كردفان وتأمين شمالها وحدود ولاية الخرطوم يطل علينا مشهد سياسي بائس.
إنه مشهد يتخذ من التسريبات منهجا ومن جس النبض وسيلة للقفز فوق الجراح المفتوحة في محاولة بائسة للالتفاف على تضحيات الشعب السوداني العظيم.
لقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا بسلسلة من التسريبات المزعومة كان آخرها ذلك الاتصال المنسوب للسيد محمد سيد أحمد الجاكومي والوزير نور الدائم طه.
وبينما انشغل الرأي العام بشكليات التسريب ومدى صحته تكمن الحقيقة الصادمة في مضمونه والأجندات التي يحاول البعض تمريرها عبر الضجيج الأسود الذي يحدثه صدى التسريب فالمقصد هنا ليس الحوار في حد ذاته بل إيصال رسائل سياسية محددة لقياس رد الفعل الشعبي.
إن الحقيقة المثبتة لا تكمن في إثبات التسجيل فنيا بل فيما صرح به الجاكومي علنا موافقا لمقترح منسوب أيضا للسيد حاتم السر حول حل مجلس السيادة الحالي والاكتفاء برئيس ونائب.
هذا الطرح الذي يتستر خلف ذريعة رشاقة اتخاذ القرار هو في جوهره عقلية نرجسية تسعى لاختطاف نصر الكرامة وتحويله إلى غنائم نخبوية قبل أن تجف دماء الفدائيين وأبطال المعارك الذين يسطرون الملاحم في الميدان.
وفي مقابل هذا التكالب على المناصب تبرز ضرورة الالتفات إلى رموز الصمود الحقيقية لإستلهام الدروس والعبر من مواقفهم وهنا نزجي عاطر التحية لأهل العطاء ورموز الحكمة مستلهمين ذكرى الأمير الراحل عبد القادر منعم منصور امير دار حمر الذي ظل صمام أمان ورمزا للرصانة في وقت تلاطمت فيه الفتن.
كما نحيي صمود عروس الرمال الأبيض التي كسرت قيود الحصار بإرادة أهلها ونزجي التحية لأهلنا في شرق السودان والشمالية وفي كافة مناطق الوسط والنيل الأبيض والنيل الأزرق.
لقد ضرب هؤلاء المواطنون أروع الأمثلة في معالجة إفرازات هذه الحرب الوجودية لا سيما في محورها الإنساني ففتحت البيوت والمؤسسات لاستقبال ورعاية المهجرين والنازحين في مشهد جسد وحدة المصير وتكافل الجسد الواحد بعيدا كل البعد عن حسابات الربح والخسارة التي غرق فيها تجار الغرف المغلقة.
إن منهج التسريب المتبع مؤخرا ليس مجرد خلل تقني بل هو سلاح يهدف إلى اختبار الديكتاتورية الناعمة وقياس مدى تقبل الشارع لفكرة الانفراد بالسلطة وتعديل المواثيق لتركيز الصلاحيات في يد شخوص بعينهم. ويؤدي هذا المسلك بالضرورة إلى إضاعة القضايا الجوهرية في أتون الجدل الجانبي مما يشتت الموقف الوطني ويرسل رسالة سلبية للمقاتل في خندقه بأن الثمرة سيقطفها المتسللون لا المقاتلون المدافعون عن وحدة السودان وترابه.
بأي وجه يخطط هؤلاء لمناصبهم قبل أن يجف دمع أمهات المفقودين؟ وكيف يجرؤ طامع على رسم خارطة طريق للحكم وهو لم يحرر بعد حرائر السودان ولم يفك قيد المعتقلين والاسري من سجن دقريس وزالنجي والفاشر وسط ظروف إنسانية صعبة. لماذا التفكير المتعجل ولم ينتهي حصار الأُبيض الصامدة بعد ؟ إن الصكوك الحقيقية للسيادة الوطنية كتبت بالدم على أسوار الفرقتين السادسة والـ22 وفي ملاحم المدرعات والمهندسين وسركاب. إن السودان لا ينتظر حاكما يأتي عبر بوابة سوق النخاسة السياسي بل ينتظر خادما للشعب يمسح دموع المكلومين وينهي الحصار ويعالج جراحات جبال النوبة وكل المناطق التي طالها الإهمال والتهجير.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فحوى الحديث المسرب فحسب بل الصمت المريب لقيادة الدولة فترك الحبل على الغارب لكل من هب ودب ليرسم مستقبل البلاد خلف الكواليس يفتح بابا للتأويلات التي تضرب الروح المعنوية.
إن الصمت هنا ليس حكمة بل هو فراغ يسمح للنخب الفاشلة بأن تعاود إنتاج نفسها وهو ما يجب حسمه بقرارات سيادية توضح منهجية الحكم الجماعي وجدواها بعيدا عن الاستقطاب.
إن محاولات التدثر خلف التسجيلات أو استغلال القرب من دوائر القرار للالتفاف على تضحيات الشعب السوداني محاولات بائسة ومعلوم للجميع مقصدها . إن القابضين على جمر القضية لن يسمحوا بضياع دماء الشهداء في مسرحية سمجة يبحث أبطالها عن السلطة والبلاد لا تزال تئن. ليعلم الجميع أن حكم السودان يبدأ بمسح دموع المظلومين وينتهي بالوفاء للعهود أما الانفراد بالسلطة عبر بوابة التسريبات المسمومة فهو محض سراب.
فلنجعل من معركة الكرامة نموذجا للحكم يخرج من رحم المعاناة وليكن السودان أولا وأخيرا ،،،،،،،،،،،،،
لنا عودة أخري
صراخ النخب/صمت قيادة الدولة