📰 _ميزان القيم
بقلم /محمد سومي كافي
_في ميزان القيم، نقرأ الأحداث عبر منظار العدالةوالأخلاق، ونقيس قوة الدولة بقدرتها على حماية الأضعف وصون الحقوق، مهما تغيرت الظروف. هذا العمود لايهادن، ولا يبرر، بل يضع معيار الحقيقة في قلب كل قضية.__حين تحمي الدولةالطفولة
**حين تحمي الدولة اطفالها
#################
في أزمنة الحروب تُقاس الدول بقدرتها على حماية الأضعف قبل الأقوى، وتبقى الطفولة المعيار الأخلاقي الأصدق لمدى صلابة الدولة وتمسّكها بقيمها. منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، واجه السودان اختبارًا وطنيًا قاسيًا لم يقتصر على ميادين القتال، بل امتد إلى سؤال جوهري: هل تستطيع الدولة أن تدافع عن حاضرها، وهي تصون مستقبلها المتمثل في حقوق أطفالها؟
في خضم هذا المشهد المعقّد، تبلور دور الدولة السودانيةحين تحكي عبر مؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، وبالعمل التنفيذي والمهني لمجلس رعاية الطفولة، في مقاربة واعية لحماية حق الأطفال في الحياة والأمان والتعليم والكرامة، بوصفها حقوقًا أصيلة لا تسقط بالحرب ولا تُعلَّق بحجج الطوارئ.فرغم شراسة النزاع واتساع رقعته الجغرافية، حافظت الدولة على الحد الأدنى من الاستمرارية المؤسسية في ملف حماية الطفولة، إذ واصل مجلس رعاية الطفولة أداء مهامه كجهاز وطني معني بصون حقوق الطفل، مستندًا إلى قناعة راسخة بأن بقاء هذه الوظيفة فاعلة هو تعبير عن حضور الدولة أخلاقيًا، حتى في أقسى لحظات الاضطراب.
ولم يكن هذا الحضور شكليًا أو رمزيًا، بل تجسّد في رصد الانتهاكات الواقعة على الأطفال، والتنسيق مع مؤسسات الدولة والجهات الإنسانية، والعمل على إيصال صوت الطفولة السودانية إلى دوائر القرار الوطنية والدولية، بما يؤكد أن حقوق الأطفال ليست بندًا ثانويًا في زمن الحرب، بل جزء أصيل من منظومة الأمن الوطني.
وفي هذا السياق، لعبت القوات المسلحة السودانية دورًا محوريًا تجاوز الوظيفة القتالية البحتة، ليمتد إلى حماية المدنيين وتأمين قدرٍ من الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على واقع الأطفال عبر الحد من حالة الانفلات الأمني، وتأمين الأحياء والمرافق الحيوية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مراكز النزوح والإيواء، بما أتاح لمجلس رعاية الطفولة وشركائه هامش حركة ضروريًا لأداء واجبهم الإنساني.
كما أكدت القوات المسلحة التزامها الصارم بالقوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال أو إشراكهم في النزاعات المسلحة، في موقف يعكس إدراكًا عميقًا بأن حماية الطفولة ليست التزامًا قانونيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية.
من جانبه، اضطلع مجلس رعاية الطفولة بدور الذراع المدنية للدولة في معركة حماية الحقوق، عبر برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتأثرين بالنزاع، والسعي للحفاظ على الحق في التعليم من خلال مبادرات التعليم البديل والتعليم المجتمعي، باعتبار التعليم خط الدفاع الأول ضد ضياع الأجيال وتفكك النسيج الاجتماعي.
إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة، رغم محدودية الإمكانات وضغوط الواقع، تكمن في تكامل أدوار مؤسسات الدولة حين تعمل كمنظومة واحدة: القوات المسلحة تؤمّن الأرض وتحمي المدنيين، ومجلس رعاية الطفولة يقود العمل التنفيذي لحماية الحقوق، في إطار رؤية تؤكد أن الطفل هو جوهر الدولة، وحمايته هي المعيار الحقيقي لسيادتها.
وفي المحصلة، فإن صون حقوق الأطفال في زمن الحرب ليس إنجازًا ظرفيًا يُحسب للحظة، بل استثمار استراتيجي في مستقبل السودان. فكل طفل حُمي من العنف، وكل فرصة تعليم أُتيحت، وكل دعم نفسي قُدّم، هو لبنة في بناء سلامٍ راسخ ودولة ما بعد الحرب.
وسط ضجيج السلاح، ظل صوت الدولة حاضرًا عبر مؤسساتها ليؤكد أن السودان، رغم الجراح، لم يتخلَّ عن أطفاله. وتلك هي الرسالة الأعمق: أن حماية الطفولة ليست هامشًا في زمن الحرب، بل جوهر الدولة، والطريق الأكثر أمانًا نحو مستقبلٍ ممكن.
وفي هذا الإطار، يكتسب التوجّه المعلن بأن يكون عام 2026 عامًا للطفولة أهميةً خاصة، استنادًا إلى ما وضعته وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية بالشراكة مع مجلس رعاية الطفولة من رؤى وبرامج، تهدف إلى إعادة الاعتبار لقصايا الأطفال، وجعل حمايتهم أولوية وطنية في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
إن هذا الإعلان لا يمثل شعارًا سياسيًا، بقدر ما يشكّل التزامًا أخلاقيًا ومسار عمل، يؤكد أن الدولة، وهي تداوي جراح الحرب، تضع مستقبل أطفالها في صدارة أجندتها الوطنية.
- _خاتمة_
في ميزان القيم، تظل حماية الطفولة معيارًا لا يتبدّل لقوة الدولة وأخلاقها، مهما اشتدت الظروف وأحاطت الحروب بالبلاد.