جبال النوبة هندسة الخراب واستراتيجية الإفراغ الديموغرافي
✍🏾بقلم: رشاد الدين دوليب
.rashadaljak@gmail.com
متابعات/افاق برس
يمر إقليم جبال النوبة (جنوب كردفان) اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخ السودان الحديث فما يحدث على الأرض تجاوز حدود النزاع العسكري التقليدي ليتحول إلى مهدد وجودي يستهدف البنية المجتمعية في صميمها.
ومع مطلع عام 2026 تبرز معضلة الحصار الممنهج في أعلي تجلياتها وعجز الدولة عن تقديم حلول ناجعة لقضايا النزوح والتهجير القسري وفك الحصار في ابهي صورها كعوامل حاسمة تضع الإقليم أمام سيناريوهات قاتمة تتأرجح بين التغيير الديموغرافي القسري والانهيار المجتمعي الشامل .
لم تكن المناشدات السابقة مجرد أرقام إحصائية جافة بل كانت صرخة استغاثة مكتومة لم تجد صدى لدى المكونات التي تشكل وحدة السودان واستقراره القومي تشير المعطيات الميدانية إلى أن الإقليم يغرق في أكبر موجة نزوح في تاريخه حيث بلغت أعداد الفارين من الجحيم حسب تقرير مفوضية العون الإنساني أكثر من 113,000 نازح. لقد تحولت حواضر تاريخية مثل كادقلي، والدلنج، وكلوقي، وهبيلا، ومنطقة الجبال الستة إلى مدن أشباح بعد أن كانت مراكزا للإشعاع الحضاري والإنتاج.
إن النزوح هنا ليس مجرد فرار عشوائي من دوي الرصاص بل هو هجرة قسرية وجودية ناتجة عن استراتيجية الأرض المحروقة التي تستهدف تجويع الإنسان ومنع خيرات الأرض وإعدام سبل الحياة.
إن عبور مئات المواطنين أسبوعيا نحو حدود دولة الجنوب أو باتجاه مدن الأبيض والرهد ولاية النيل الأبيض ليس بحثا عن اللجوء فحسب بل هو هروب غريزي من مخالب الإبادة الصامتة التي تمارس عبر خنق الأسواق وضرب الموسم الزراعي مستقبلا وتدمير مصادر المياه والمستشفيات والأعيان المدنية.
إن الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الحركة الشعبية بالتزامن مع تحركات مليشيا الدعم السريع لا يمكن توصيفه كتكتيك عسكري عابر بل هو هندسة اجتماعية قسرية تهدف إلى تغيير ملامح المنطقة للأبد. إن إرغام السكان على المغادرة عبر اليات الضغط المعيشي يمهد الطريق لواقع سكاني جديد حيث يفرغ الإقليم من قواه البشرية المنتجة ليفتح الباب أمام مجموعات وافدة مما يمزق النسيج الاجتماعي التاريخي لكردفان الكبرى.
وهنا تبرز الفجوة السيادية فغياب الدولة عن حماية المواطن الذي تمسك بأرضه ورفض النزوح ليس مجرد فشل إداري بل هو ثغرة تسمح للقوى العابرة للحدود بطمس الهوية الجغرافية للسودان.
يواجه إنسان الجبال اليوم حصارا مزدوجا ميداني تفرضه البنادق لتقييد الحركة ومنع وصول الإمدادات المنقذة للحياة. وحصار إداري اخر يتمثل في تحلل المركز من مسؤوليته الأخلاقية تجاه قضية جبال النوبة والعجز عن تأمين ممرات إنسانية أو توفير بدائل لإيقاف التدهور المتسارع علي الأرض. هذا التخاذل يعزز فرضية التخلي الاستراتيجي عن ولاية جنوب كردفان وإنسانها الذي لم يتوان يوما عن تلبية نداء الوطن والذود عن سيادته.
تتجلى مرارة الواقع في
الانتقائية السياسية التي يمارسها المركز ففي الوقت الذي تخور فيه قوى المكونات الشعبية تحت وطأة الجوع نجد أن أولويات المنطقة لم تنل حظها من الاهتمام السيادي. إن التباطؤ في تنفيذ مخرجات اللقاءات السابقة مع قيادة الدولة وتقديم البروتوكولات والكرنفالات الاستعراضية على مواجهة أصحاب الوجعة الحقيقيين يمثل طعنة في خاصرة الانتماء الوطني وزعزعة لثقة المواطن في دولته.
هذا التعالي يمنح دعاة الانفصال وأصحاب الأجندات التفتيتية أثمن هداياهم على طبق من ذهب. فعندما يرفض هرم الدولة الاستماع لأنين مواطنيه وهم تحت الحصار فإنه يدفعهم قسرا نحو خيارات سياسية مريرة بحثا عن الأمان المفقود فالتهميش في لحظات التهديد الوجودي لا يولد إلا الرغبة في الانعتاق.
لقد آن الأوان لتسمية الأشياء بمسمياتها إن ما يحدث في جبال النوبة هو عملية إفراغ ديموغرافي ناعم ينفذ تحت ستار النزاع المسلح.
إن استمرار هذا النزيف يعني فقدان السودان لأحد أهم ركائزه التنوعية وأغنى مناطقه بالموارد البشريةوالاقتصادية .
إن إنقاذ الجبال يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحلول الأمنية القاصرة وتبدأ بالاعتراف بأن استقرار السودان لا يستقيم وإنسان جبال النوبة يقتلع من جذوره. إنها معركة بقاء ليس للنوبة فحسب بل للشرعية الأخلاقية لوحدة الدولة السودانية. فهل تدرك القيادة
حجم الكارثة قبل أن يكتمل مخطط الإفراغ وتضيع الجبال ويضيع معها السودان وبعضا من الأشواق الذاتية ؟
رشاد الدين دوليب
يناير 2026