موقف د سلام من مبادرات حماية المدنيين في جبال النوبة

موقفي من مبادرات حماية المدنيين ووقف الحرب في جبال النوبة / جنوب كردفان
بقلم: د. سلام توتو – لندن
١٣ ديسمبر ٢٠٢٥

تابعت بقلق بالغ ما جرى تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة لرئيس هيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان–شمال، السيد/ عزت كوكو، دعا فيها المواطنين إلى مغادرة مدينتي كادقلي والدلنج بدعوى الحفاظ على أرواحهم، في ظل استعدادات عسكرية تهدف إلى السيطرة على المدينتين. كما اطلعتُ في ذات السياق على بيانات صادرة عن بعض القوى المدنية والأدوات الأهلية في جبال النوبة، و تلقيت اتصالات من بعض الناشطين دعت إلى انسحاب الجيش السوداني وتسليم المدينتين وكامل الإقليم للحركة الشعبية، بحجة تفادي إراقة المزيد من الدماء.

أكتب هذا الخطاب بوصفي ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، وأحد أبناء المنطقة، انطلاقاً من الحرص على حماية المدنيين وصون كرامتهم وضمان أمنهم واستقرارهم، وبهدف تقديم قراءة قانونية وحقوقية موضوعية لهذه التصريحات والمبادرات.

أولاً: التوصيف القانوني لتصريح دعوة المدنيين لمغادرة المدن

رغم أن التصريح المذكور قد يُفهم في ظاهره كدعوة لتجنيب المدنيين مخاطر العمليات العسكرية، إلا أن قراءته في ضوء القانون الدولي الإنساني تثير إشكاليات قانونية جسيمة. فالدعوة العامة لإخلاء مدن مأهولة بالسكان، دون توفير بدائل آمنة أو ضمانات إنسانية، أو وجود ضرورة عسكرية قهرية مثبتة، تُعد تهجيراً قسرياً للسكان المدنيين.

ويُحظر التهجير القسري صراحةً بموجب:
• المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949)
• المادة (17) من البروتوكول الإضافي الثاني (1977)

كما يُصنَّف التهجير القسري كجريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وعليه، فإن مثل هذا التصريح، حتى وإن خلا من نية معلنة لارتكاب انتهاكات، فإن أثره العملي والقانوني قد يرقى إلى التحريض غير المباشر على جريمة حرب، لما يحمله من إرهاب نفسي للمدنيين، ونقل عبء الخطر من الأطراف المسلحة إلى الفئات الأكثر ضعفاً، وخصوصاً الأطفال وكبار السن والنساء والحوامل والمرضى وذوي الإعاقة.

وكان الأجدر أن يتضمن الخطاب رسائل طمأنة واضحة، تؤكد التزام الحركة الشعبية التام بالمواثيق الدولية لحماية المدنيين، واتخاذ كل التدابير اللازمة لتجنيبهم آثار النزاع، بدلاً من دعوتهم إلى مغادرة منازلهم قسراً.

ثانياً: قراءة نقدية للمبادرات الداعية لتسليم كادقلي والدلنج

من حيث المبدأ، فإن أي مبادرة تهدف إلى وقف القتال وحماية المدنيين تستحق الدعم، غير أن الدعوات المطروحة حالياً تعاني من اختلالات واقعية وقانونية، من أبرزها ما يلي:
1. إشكالية التحالف العسكري القائم
الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال هي، وفق مواثيق وتحالفات معلنة، جزء من تحالف عسكري وسياسي مع مليشيات الدعم السريع. وبناءً على ذلك، فإن أي وجود للحركة الشعبية في كادقلي والدلنج لا يمكن فصله عملياً عن وجود حليفها.

ونظراً لما هو موثق ومعروف عن السجل الواسع لانتهاكات مليشيات الدعم السريع، فإن وجودها في أي منطقة يمثل تهديداً مباشراً لأمن المدنيين. وتشكل الانتهاكات التي وقعت في الفيض وهبيلا والمناطق الشرقية من جبال النوبة دليلاً واضحاً على خطورة تكرار هذا السيناريو.

وعليه، فإن الدعوة إلى تسليم مدن مأهولة بالسكان في ظل هذا التحالف تمثل، في تقديري، مجازفة غير مبررة بأمن المدنيين.
2. حدود الدور المشروع للقوى المدنية
ليس من صميم العمل المدني، ولا من مقتضيات الحياد، أن تقوم قوى مدنية بالدعوة إلى تسليم مدن أو أقاليم لطرف مسلح بعينه. فهذه قرارات ذات طبيعة عسكرية وسيادية، تتجاوز الدور المشروع للمجتمع المدني.

وكان الأجدر بهذه القوى أن تركز على:
• الدعوة إلى وقف العدائيات
• تحييد المدنيين
• المطالبة بجعل كادقلي والدلنج مناطق منزوعة السلاح
• نشر قوات حفظ سلام محايدة لضمان الأمن وحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية

وهي مقاربات تتسق مع الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالحل السلمي للنزاعات.

ثالثاً: البدائل الواقعية والمقترحات العملية

استناداً إلى ما سبق، أرى أن الحلول الأكثر اتساقاً مع القانون الدولي ومصلحة المدنيين تتمثل في الآتي:
1. حل سلمي مباشر بين الجيش السوداني والحركة الشعبية، أو تسليم إدارة المنطقة للحركة الشعبية شريطة فك ارتباطها الكامل مع مليشيات الدعم السريع ووقف العدائيات. في هذه الحالة فقط يمكن النظر إليها كطرف مؤهل ومحايد لإدارة المنطقة.
2. وقف فوري وغير مشروط للعدائيات، مع فتح ممرات إنسانية آمنة، والتزام كل طرف بمواقعه الحالية، ضماناً لحماية المدنيين.
3. اتفاق وقف عدائيات برعاية دولية، تحت إشراف الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، على غرار اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة (سويسرا 2002)، مع نشر قوات حفظ سلام من الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة لتولي حماية المدنيين وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية.
4. إدارة مدنية–أمنية مشتركة للمنطقة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، في حال فك الارتباط مع مليشيات الدعم السريع، مع منع تام لوجود أي موقفي من مبادرات حماية المدنيين ووقف الحرب في جبال النوبة / جنوب كردفان
بقلم: د. سلام توتو – لندن
١٣ ديسمبر ٢٠٢٥

تابعتُ بقلق بالغ ما جرى تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة لرئيس هيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان–شمال، السيد/ عزت كوكو، دعا فيها المواطنين إلى مغادرة مدينتي كادقلي والدلنج بدعوى الحفاظ على أرواحهم، في ظل استعدادات عسكرية تهدف إلى السيطرة على المدينتين. كما اطلعتُ في ذات السياق على بيانات صادرة عن بعض القوى المدنية والأدوات الأهلية في جبال النوبة، و تلقيت اتصالات من بعض الناشطين دعت إلى انسحاب الجيش السوداني وتسليم المدينتين وكامل الإقليم للحركة الشعبية، بحجة تفادي إراقة المزيد من الدماء.

أكتب هذا الخطاب بوصفي ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، وأحد أبناء المنطقة، انطلاقاً من الحرص على حماية المدنيين وصون كرامتهم وضمان أمنهم واستقرارهم، وبهدف تقديم قراءة قانونية وحقوقية موضوعية لهذه التصريحات والمبادرات.

أولاً: التوصيف القانوني لتصريح دعوة المدنيين لمغادرة المدن

رغم أن التصريح المذكور قد يُفهم في ظاهره كدعوة لتجنيب المدنيين مخاطر العمليات العسكرية، إلا أن قراءته في ضوء القانون الدولي الإنساني تثير إشكاليات قانونية جسيمة. فالدعوة العامة لإخلاء مدن مأهولة بالسكان، دون توفير بدائل آمنة أو ضمانات إنسانية، أو وجود ضرورة عسكرية قهرية مثبتة، تُعد تهجيراً قسرياً للسكان المدنيين.

ويُحظر التهجير القسري صراحةً بموجب:
• المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949)
• المادة (17) من البروتوكول الإضافي الثاني (1977)

كما يُصنَّف التهجير القسري كجريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وعليه، فإن مثل هذا التصريح، حتى وإن خلا من نية معلنة لارتكاب انتهاكات، فإن أثره العملي والقانوني قد يرقى إلى التحريض غير المباشر على جريمة حرب، لما يحمله من إرهاب نفسي للمدنيين، ونقل عبء الخطر من الأطراف المسلحة إلى الفئات الأكثر ضعفاً، وخصوصاً الأطفال وكبار السن والنساء والحوامل والمرضى وذوي الإعاقة.

وكان الأجدر أن يتضمن الخطاب رسائل طمأنة واضحة، تؤكد التزام الحركة الشعبية التام بالمواثيق الدولية لحماية المدنيين، واتخاذ كل التدابير اللازمة لتجنيبهم آثار النزاع، بدلاً من دعوتهم إلى مغادرة منازلهم قسراً.

ثانياً: قراءة نقدية للمبادرات الداعية لتسليم كادقلي والدلنج

من حيث المبدأ، فإن أي مبادرة تهدف إلى وقف القتال وحماية المدنيين تستحق الدعم، غير أن الدعوات المطروحة حالياً تعاني من اختلالات واقعية وقانونية، من أبرزها ما يلي:
1. إشكالية التحالف العسكري القائم
الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال هي، وفق مواثيق وتحالفات معلنة، جزء من تحالف عسكري وسياسي مع مليشيات الدعم السريع. وبناءً على ذلك، فإن أي وجود للحركة الشعبية في كادقلي والدلنج لا يمكن فصله عملياً عن وجود حليفها.

ونظراً لما هو موثق ومعروف عن السجل الواسع لانتهاكات مليشيات الدعم السريع، فإن وجودها في أي منطقة يمثل تهديداً مباشراً لأمن المدنيين. وتشكل الانتهاكات التي وقعت في الفيض وهبيلا والمناطق الشرقية من جبال النوبة دليلاً واضحاً على خطورة تكرار هذا السيناريو.

وعليه، فإن الدعوة إلى تسليم مدن مأهولة بالسكان في ظل هذا التحالف تمثل، في تقديري، مجازفة غير مبررة بأمن المدنيين.
2. حدود الدور المشروع للقوى المدنية
ليس من صميم العمل المدني، ولا من مقتضيات الحياد، أن تقوم قوى مدنية بالدعوة إلى تسليم مدن أو أقاليم لطرف مسلح بعينه. فهذه قرارات ذات طبيعة عسكرية وسيادية، تتجاوز الدور المشروع للمجتمع المدني.

وكان الأجدر بهذه القوى أن تركز على:
• الدعوة إلى وقف العدائيات
• تحييد المدنيين
• المطالبة بجعل كادقلي والدلنج مناطق منزوعة السلاح
• نشر قوات حفظ سلام محايدة لضمان الأمن وحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية

وهي مقاربات تتسق مع الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالحل السلمي للنزاعات.

ثالثاً: البدائل الواقعية والمقترحات العملية

استناداً إلى ما سبق، أرى أن الحلول الأكثر اتساقاً مع القانون الدولي ومصلحة المدنيين تتمثل في الآتي:
1. حل سلمي مباشر بين الجيش السوداني والحركة الشعبية، أو تسليم إدارة المنطقة للحركة الشعبية شريطة فك ارتباطها الكامل مع مليشيات الدعم السريع ووقف العدائيات. في هذه الحالة فقط يمكن النظر إليها كطرف مؤهل ومحايد لإدارة المنطقة.
2. وقف فوري وغير مشروط للعدائيات، مع فتح ممرات إنسانية آمنة، والتزام كل طرف بمواقعه الحالية، ضماناً لحماية المدنيين.
3. اتفاق وقف عدائيات برعاية دولية، تحت إشراف الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، على غرار اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة (سويسرا 2002)، مع نشر قوات حفظ سلام من الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة لتولي حماية المدنيين وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية.
4. إدارة مدنية–أمنية مشتركة للمنطقة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، في حال فك الارتباط مع مليشيات الدعم السريع، مع منع تام لوجود أي مليشيات مسلحة داخل الإقليم.

ختاماً

إن حماية المدنيين ليست شعاراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي تحكمه قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وأي مبادرة لا تضع سلامة المدنيين وكرامتهم في صميم أولوياتها، ولا تلتزم بهذه القواعد، تظل مبادرة ناقصة وقابلة لإعادة إنتاج العنف.

هذا توضيح لموقفي، وجملة من المقترحات التي أراها أكثر واقعية وإنصافاً لمعالجة الأزمة في جبال النوبة / جنوب كردفان.

مع خالص التحية والتقدير مسلحة داخل الإقليم.

ختاماً

إن حماية المدنيين ليست شعاراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي تحكمه قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وأي مبادرة لا تضع سلامة المدنيين وكرامتهم في صميم أولوياتها، ولا تلتزم بهذه القواعد، تظل مبادرة ناقصة وقابلة لإعادة إنتاج العنف.

هذا توضيح لموقفي، وجملة من المقترحات التي أراها أكثر واقعية وإنصافاً لمعالجة الأزمة في جبال النوبة / جنوب كردفان.

مع خالص التحية والتقدير

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.