مؤتمر لندن حول السودان: أسباب الفشل
بقلم: د. سلام توتو – لندن
١٧ أبريل ٢٠٢٥
في البداية، لا بد من توجيه صوت شكر مستحق لحكومة المملكة المتحدة، بقيادة رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر، على اهتمامها بالشأن السوداني ووقوفها إلى جانب الشعب السوداني في هذه المحنة العصيبة. فقد بادرت الحكومة البريطانية بتنظيم هذا المؤتمر الدولي في لندن، والذي كان من المفترض أن يشكل خطوة إيجابية نحو وقف الحرب المتصاعدة في السودان. ومع ذلك، فإن طريقة تنظيم المؤتمر والدعوات التي وُجهت، خصوصًا للدول المتورطة بشكل مباشر في النزاع، تطرح الكثير من التساؤلات والانتقادات.
خلفية مهمة عن المؤتمر
جاءت مبادرة المؤتمر بعد تصريحات واضحة من وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، سواء خلال جلسة مجلس الأمن أو زيارته لمعسكر اللاجئين السودانيين في “أدري” بغرب تشاد، أكد فيها على أن بلاده لن تترك الشعب السوداني وحيدًا، وأنها ستقف إلى جانبه حتى يعبر محنته. ومن هذا المنطلق، تم تنظيم مؤتمر لندن كمنصة دولية يُراد من خلالها مناقشة الأبعاد الإنسانية للنزاع، والسعي لإيجاد حلول سياسية تضع حدًا للحرب.
لكن، وعلى الرغم من هذه النوايا النبيلة، فقد وقعت الحكومة البريطانية ووزارة خارجيتها في أخطاء فادحة قللت من فرص نجاح المؤتمر في تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة السودانية. ويمكن تلخيص أبرز أسباب فشل المؤتمر فيما يلي:
أولًا: إشراك دولة الإمارات في المؤتمر
شكلت دعوة دولة الإمارات للمشاركة كطرف رئيسي في المؤتمر خطأً دبلوماسيًا فادحًا، خصوصًا في ظل النزاع القائم بينها وبين الحكومة السودانية، والذي بلغ أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بل وتجاوز ذلك إلى أروقة المحكمة الجنائية الدولية، حيث تستمر جلسات الاستماع في شكوى السودان ضد التدخل الإماراتي في الحرب. إن إشراك الإمارات، المتهمة بتسليح قوات الدعم السريع، يشكل استفزازًا كبيرًا لضحايا الحرب، ويمس بمصداقية المؤتمر وحياديته.
وبالتالي، تحوّل المؤتمر إلى ساحة صراع بين دول المحور، بدلًا من أن يكون منصة للحل، وهو أحد الأخطاء الجسيمة التي تتحمل مسؤوليتها الحكومة البريطانية ووزارة خارجيتها. هذا التحول أضعف من قدرة المؤتمر على لعب دور حيادي في تقريب وجهات النظر، وحوّله إلى امتداد لصراع المحاور الإقليمية على أرض السودان.
ثانيًا: استبعاد الحكومة السودانية
من غير المنطقي أن يُعقد مؤتمر دولي يناقش مستقبل السودان دون حضور الحكومة السودانية، حتى وإن كانت محل خلاف دولي أو غير معترف بها رسميًا. فهذه الحكومة، بحكم الواقع، تمثل السلطة القائمة، وأي حل سياسي أو ميداني سيمر حتمًا عبرها. إن استبعادها لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة لفرض وصاية جديدة على السودان، أو حتى التفكير في استعمار ناعم من خلال تغييب إرادة الدولة السودانية عن طاولة الحوار.
ثالثًا: تغييب قوى المجتمع المدني الفاعلة
أحد أبرز مظاهر فشل المؤتمر تمثل في تغييب منظمات المجتمع المدني الحقيقية والقوى الوطنية الفاعلة في الداخل السوداني، والاعتماد بدلًا من ذلك على تقارير ومصادر لا تعكس واقع الشارع السوداني ولا تمثله تمثيلًا صادقًا. تجاهل صوت الشعب السوداني واختزال تمثيله في جهات غير فاعلة على الأرض يُعدّ تقصيرًا واضحًا في فهم طبيعة الأزمة ومسارات الحل الممكنة.
رابعًا: الاعتماد على قوى سياسية معينة دون غيرها
ظهر جليًا خلال المؤتمر اعتماد الحكومة البريطانية على قوى سياسية محددة، وتجاهلها المتعمد لمنظمات المجتمع المدني المستقلة التي تعبر تعبيرًا حقيقيًا عن نبض الشارع السوداني وهموم المواطن. هذه المنظمات، التي لا ترتبط بأجندات حزبية أو أيديولوجية، تمثل وجدان الناس ومطالبهم، وتتمتع بقبول واسع داخل المجتمع. إن تهميشها لصالح قوى لها ارتباطات سياسية أو مصالح ضيقة، يُعد تقليلًا من فرص تحقيق سلام عادل وشامل، ويضعف من مصداقية أي مبادرة دولية
توصيات ضرورية
إذا أرادت المملكة المتحدة أن تلعب دورًا جادًا وفعّالًا في إنهاء الحرب السودانية، فعليها مراجعة سياساتها في التعامل مع هذا الملف وفقًا للمبادئ التالية:
1. تحديث مصادر المعلومات: يجب أن تتعامل الحكومة البريطانية مباشرة مع الشعب السوداني من خلال منظماته المدنية الفاعلة، بدلًا من الاعتماد على قنوات لم تعد تمثل إرادة الجماهير.
2. ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني السوداني: لا بد من إشراك منظمات المجتمع المدني المستقلة والفاعلة في كل القرارات والمقترحات المتعلقة بالسودان، باعتبارها صوتًا حقيقيًا للشعب، وغير مرتبطة بأجندات حزبية أو أيديولوجية. إقصاء هذه القوى يؤدي إلى فقدان الثقة ويُفرغ أي عملية سياسية من مضمونها الشعبي.
3. استبعاد الدول المتورطة في النزاع: يجب استبعاد أي دولة ساهمت بشكل مباشر في تسليح أطراف الصراع، وعلى رأسها الإمارات، والعمل بدلًا من ذلك على محاسبتها وممارسة ضغط دولي جاد لوقف تدخلها في الشأن السوداني.
4. احترام إرادة الشعب السوداني: على المملكة المتحدة أن تحترم خيارات الشعب السوداني وألا تفرض عليه وصايات أو قيادات لا تمثله، فالشعب وحده هو من يملك حق تحديد مستقبله
خانمة.
إن فشل مؤتمر لندن لا يُعزى فقط إلى الظروف المعقدة للصراع في السودان، بل أيضًا إلى أخطاء جسيمة في إعداد المؤتمر، واختيارات غير موفقة في المشاركين، وتجاهل أصوات الفاعلين الحقيقيين في المشهد السوداني. وإذا لم تُصحح هذه الأخطاء، فإن أي مبادرة قادمة ستواجه المصير ذاته، وستظل الحرب قائمة والمعاناة مستمرة.