بورتسودان … هل يعود السودان إلى قلب التجارة الإقليمية؟
بقلم/د عجلون
متابعات/ افاق برس
ظل البحر الأحمر عبر العصور والازمنة أحد أهم شرايين التجارة
العالمية فمنذ رحلات القوافل البحرية القديمة وحتى عصر الحاويات العملاقة، لم تكن قيمة الدول الساحلية تقاس بطول شواطئها بل بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية واستراتيجية، وقد أثبت التاريخ أن الموانئ التي تتعافى من الأزمات تستطيع أن تصبح محركات للنمو إذا وجدت الإدارة الكفؤة والاستقرار اللازم.
في هذا السياق تبرز عودة استقبال ميناء بورتسودان لسفن حاويات كبيرة تابعة لخطوط ملاحية دولية باعتبارها مؤشراً اقتصادياً يستحق التوقف عنده، فهذه الخطوة لا تعني مجرد زيادة في حركة السفن بل تعكس تحسناً نسبياً في الثقة التشغيلية للميناء، وقدرته على استعادة جزء من دوره في سلاسل الإمداد الإقليمية بعد فترة طويلة فرضتها ظروف الحرب والتحديات اللوجستية.
*اقتصادياً* فإن انتظام وصول السفن ذات السعات الكبيرة ينعكس إيجاباً على تكلفة النقل، ويزيد من كفاءة عمليات الاستيراد والتصدير، كما يمنح التجار والمستثمرين قدراً أكبر من الثقة في استقرار حركة البضائع.
علماً انه كلما ازدادت حركة الملاحة المباشرة، تراجعت الحاجة إلى عمليات المناولة الوسيطة، وهو ما يسهم في خفض الزمن والتكلفة وتعزيز تنافسية الاقتصاد السوداني.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الواقع، فاستعادة المكانة اللوجستية لا تتحقق بعودة سفينة أو عدة سفن وإنما تحتاج إلى تطوير مستمر للبنية التحتية، وتحديث الموانئ، ورفع كفاءة الخدمات الجمركية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتأمين سلاسل النقل الداخلي، حتى يصبح السودان شريكاً موثوقاً في التجارة الدولية.
ويمتلك السودان مقومات تؤهله للقيام بدور أكبر في البحر الأحمر، بفضل موقعه الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا والعالم العربي، ويمنحه فرصة ليكون مركزاً للخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير، إذا ما استُثمرت هذه المزايا ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
إن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من الاكتفاء بالموقع الجغرافي إلى حسن استثماره، فالموقع وحده لا يصنع النهضة، وإنما تصنعها السياسات الرشيدة والإدارة الفاعلة والاستقرار. وإذا نجح السودان في استثمار هذه الفرصة، فإن الموانئ لن تكون مجرد منافذ بحرية، بل قاطرة حقيقية لإنعاش الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل وتعزيز التجارة الإقليمية.
إن الفرص الكبرى لا تتكرر كثيراً، والتاريخ يثبت أن الدول التي أحسنت استغلال موقعها أصبحت مراكز للتجارة والازدهار. فهل يحول السودان هذه المؤشرات الإيجابية إلى مشروع اقتصادي متكامل يعيد إليه مكانته الطبيعية على خريطة التجارة العالمية؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن البداية تبدو واعدة وتستحق العمل لا الاكتفاء بالتفاؤل.
فتكم بعااافية…نواصل@