حبر من نار
بقلم/المعزمجذوب خليفة
هل يخرج رئيس وزراءالسودان القادم من عمق الجبال ؟؟
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الأمم، لا تبحث الشعوب عن الأسماء بقدر ما تبحث عن النماذج. ولا تقيس الرجال بما يرفعونه من شعارات، وإنما بما راكموه من تجارب وما قدموه من عطاء وما امتلكوه من رؤية وقدرة على إدارة التنوع وصناعة المستقبل.
واليوم، والسودان يقف على مفترق طرق تاريخي، تتعالى الأصوات المطالبة بقيادات جديدة تحمل مشروع الدولة لا مشروع القبيلة، ومشروع الوطن لا مشروع الجهة، ومشروع التنمية لا مشروع الصراع.ومن بين هذه النماذج يبرز اسم القيادي الشاب ابن جبال النوبة الأستاذ عامر ناصر نمري نمر (عمار)، باعتباره واحداً من أبناء السودان الذين صاغتهم التجربة الوطنية الواسعة، وصقلتهم معاناة الوطن، وعلمتهم الغربة كيف تُبنى الدول وكيف تُدار المؤسسات وكيف تُحترم حقوق الإنسان والمواطنة.
ولد عامر في كادقلي، عاصمة الصمود والتاريخ، وترعرع في بيئة عرفت التنوع الثقافي والاجتماعي والديني، فكان ابنًا حقيقيًا لجبال النوبة التي ظلت عبر التاريخ رمزًا للتعايش والتسامح وقبول الآخر.
ولم تكن مسيرته مجرد رحلة وظيفية عابرة، بل كانت مدرسة متكاملة جمعت بين الإدارة والاقتصاد والعمل النقابي والعمل الإنساني والمجتمع المدني والعمل السياسي، وهي عناصر نادرة حين تجتمع في شخصية واحدة.
فالرجل يحمل بكالوريوس العلوم الإدارية من جامعة جوبا، وتلقى عشرات الدورات المتخصصة في القيادة والإعلام والاقتصاد السياسي والفلسفة والتاريخ وقضايا المرأة والطفل واللاجئين، وهي قضايا تمثل جوهر بناء الدولة الحديثة.
كما عمل في مؤسسات حكومية ومدنية متعددة، وتدرج في مواقع المسؤولية من مفتش للنقل والبترول إلى رئيس للهيئة النقابية بوزارة المالية بجنوب كردفان، قبل أن يخوض تجارب إدارية ومحاسبية ومهنية داخل السودان وخارجه.
والأهم من ذلك أنه عاش تجربة الهجرة والاندماج في ألمانيا، فاطلع عن قرب على النماذج الحديثة للحكم الرشيد والإدارة المؤسسية وسيادة القانون، وهي خبرات يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن السودان الجديد الذي نحلم به لن يبنيه أصحاب الخطابات الانفعالية، وإنما يبنيه أصحاب المعرفة والخبرة والرؤية. وهنا تبرز قيمة عامر ناصر نمري نمر، الذي يتحدث العربية والإنجليزية والألمانية بطلاقة مهنية، ويجمع بين ثقافات متعددة، ويملك شبكة واسعة من العلاقات داخل المجتمع المدني السوداني والإقليمي والدولي.
لقد كان عضواً في اللجنة المركزية بالحزب القومي المعارض، وعضواً بمجلس التحرير القومي للحركة الشعبية، والأمين العام للشبكة الدولية لمنظمات المجتمع المدني، ومديراً لإذاعة النفير بالقاهرة، ورئيساً لمنظمة أمبايا بألمانيا، وعضواً مؤسساً للرابطة الوطنية الألمانية لمجتمعات ما بعد الهجرة.
وهذه ليست مجرد مناصب تُذكر في السيرة الذاتية، بل محطات تؤكد أن الرجل ظل حاضراً في ساحات العمل العام، متفاعلاً مع قضايا وطنه وشعبه، ومؤمناً بأن السودان أكبر من الأحزاب وأكبر من الجغرافيا وأكبر من الصراعات الصغيرة.
إن جبال النوبة التي قدمت آلاف الشهداء من أجل السلام والعدالة والمواطنة المتساوية، من حقها اليوم أن تقدم للسودان قيادات قومية على مستوى رئاسة الوزراء ورئاسة الدولة وكافة مؤسسات الحكم.
ولم يعد مقبولاً أن يظل أبناء الهامش مجرد وقود للمعارك بينما يحتكر الآخرون مواقع صناعة القرار.
إن الحديث عن عامر ناصر نمري نمر ليس حديثاً عن شخص بعينه، وإنما عن مدرسة وطنية كاملة تؤمن بالتعدد والتنوع والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
وفي زمن الانقسامات الحادة، يحتاج السودان إلى شخصية تستطيع مخاطبة أهل كادقلي كما تخاطب أهل الخرطوم، وتفهم عقلية الريف كما تفهم متطلبات الدولة الحديثة، وتجمع بين الحس الوطني والخبرة الدولية.
لهذا فإن طرح اسم الأستاذ عامر ناصر نمري نمر ضمن الأسماء الوطنية المؤهلة لتولي منصب رئيس وزراء السودان في المستقبل ليس من باب المجاملة، وإنما من باب البحث الجاد عن الكفاءة والخبرة والرؤية.
فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، وإنما تبنى بالرجال الذين أثبتوا قدرتهم على خدمة الناس أينما كانوا، وحملوا السودان في قلوبهم وهم داخل الوطن وخارجه.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام القوى الوطنية السودانية كافة:
إذا كنا نبحث حقاً عن سودان جديد، فلماذا لا يكون رئيس وزراء السودان القادم من عمق جبال النوبة؟
ولماذا لا يكون من الذين جمعوا بين العلم والخبرة والعمل العام والتجربة الدولية، وبين الانتماء الصادق للوطن والإيمان العميق بوحدة شعبه؟
إن السودان القادم يحتاج إلى رجال دولة لا رجال سلطة، وإلى بناة جسور لا صناع حواجز، وإلى عقول تؤمن بالمستقبل أكثر من انشغالها بصراعات الماضي.
وعندها فقط، يمكن أن يصبح الحلم ممكناً، وأن تشرق شمس وطن يتسع للجميع .