*إقتصاد الناس*
بقلم:د.عبدالله عجلون
متابعات/ افاق برس
*هل يشكّل إقتصاد الريف مدخلاً واقعياً لتعافي السودان بعد حرب 15 أبريل؟*
أفرزت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م واقعاً إقتصادياً مغايراً لما كان سائداً قبلها، إذ تراجعت الأنشطة الخدمية والتجارية في المدن الكبرى، وبرزت تحديات حادة في سلاسل الإمداد والإنتاج، في هذا السياق يطفو على السطح سؤال جوهري يتعلق بجدوى إعادة ترتيب الأولويات الإقتصادية: هل يمكن أن يشكّل إقتصاد الريف – بما يملكه من موارد زراعية وحيوانية وبشرية – مدخلاً عملياً لتعافي الإقتصاد الوطني؟ إن طرح هذا السؤال لا يأتي من باب الرومانسية التنموية بل من قراءة موضوعية للتحولات البنيوية التي فرضتها الحرب والتي أعادت تعريف مصادر القوة الإقتصادية ومواطن الهشاشة في آنٍ واحد،
لقد كشفت الحرب عن إختلال هيكلي ظل يتعمق لسنوات طويلة، حيث تمركز النشاط الإقتصادي حول المدن الكبرى، وأعتمد بدرجة كبيرة على قطاع خدمي هشّ مرتبط بالإنفاق الحكومي والتحويلات. ومع تعطل مؤسسات الدولة وتضرر البنية التحتية الحضرية، انكشفت محدودية هذا النموذج في المقابل ظل الريف – رغم ضعف الخدمات وندرة التمويل – محتفظاً بقاعدته الإنتاجية الأساسية خاصة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، وهما قطاعان يمثلان العمود الفقري للأمن الغذائي والصادرات غير النفطية.
غير أن التعويل على إقتصاد الريف لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حلاً سحرياً بل خياراً إستراتيجياً مشروطاً بإصلاحات عميقة، فالريف يواجه تحديات مزمنة تتمثل في ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وتعدد الرسوم والجبايات، وغياب الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة حقيقية للمنتجات الخام، ومن دون معالجة هذه الإختلالات سيظل الريف منتجاً للمواد الأولية منخفضة العائد، لا محركاً فعلياً للنمو.
إن التعافي الإقتصادي بعد الحرب يتطلب تحوّلاً في فلسفة الإدارة الإقتصادية من إقتصاد إستهلاكي ريعي إلى إقتصاد إنتاجي حقيقي ويعني ذلك توجيه التمويل نحو صغار المنتجين، وتبسيط الإجراءات، وتطوير سلاسل القيمة، وربط الإنتاج الريفي بالأسواق الداخلية والخارجية عبر سياسات نقل وتخزين وتسويق فعّالة، كما يتطلب بناء شراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، بحيث يصبح الريف شريكاً في صياغة السياسات لا مجرد متلقي لها.
ختاَماً يبقى السؤال مفتوحاً: هل تملك الدولة الإرادة لإعادة تموضع الإقتصاد حول قاعدته الإنتاجية الحقيقية؟
إن جعل إقتصاد الريف مدخلاً لتعافي السودان ليس خياراً عاطفياً بل مساراً واقعياً إذا ما أُحسن التخطيط له، فالتعافي المستدام لن يولد من مراكز الإستهلاك، بل من حقول الإنتاج، حيث تتشكل القيمة الحقيقية للإقتصاد الوطني الذي نريد.
فتكم بعااافية… نواصل@
الأربعاء:الثامن من شهر رمضان 1447هجرية الموافق:25/فبراير/2026م