ميزان القيم
الوالي الذي نريده لجنوب كردفان
بقلم: محمد سومي كافي أبو نسيبة
متابعات/ افاق برس
حين تختل الموازين في الأوطان، يصبح أول ما نحتاج إليه هو إعادة ضبط “ميزان القيم” قبل تبديل الوجوه والمواقع. فالمناصب لا تصنع الفرق بذاتها، وإنما تصنعه المعايير التي تُختار على أساسها القيادات. ومن هنا، فإن الحديث عن الوالي الذي تحتاجه جنوب كردفان اليوم، هو حديث عن القيم قبل الأشخاص، وعن المسؤولية قبل السلطة.
جنوب كردفان – جبال النوبة – ليست مجرد ولاية على الخارطة؛ إنها فسيفساء بشرية وثقافية، وأرض أنهكتها النزاعات، وأثقلتها التحديات الاقتصادية، لكنها في ذات الوقت غنية بمواردها، عميقة بإرثها، قوية بإنسانها. لذلك فإن معيار اختيار واليها لا ينبغي أن يخضع للمجاملات السياسية أو الترضيات الوقتية، بل لميزان دقيق قوامه الكفاءة والنزاهة والقدرة على توحيد الصف.
أول ما نحتاجه هو والٍ يُجيد فن الجمع لا لعبة الفرز. قائد يؤمن أن التنوع في جبال النوبة مصدر قوة، لا مدعاة خوف. رجل دولة يتحدث بلغة المواطنة، ويبتعد عن خطاب الاصطفاف، ويعمل على ترميم الثقة بين المكونات الاجتماعية التي أرهقتها سنوات التباعد والشكوك.
ثم يأتي معيار الأمن، لا بمعناه العسكري الضيق، بل بمعناه المجتمعي الشامل. فالأمن الحقيقي هو أن يطمئن المواطن في قريته قبل أن يطمئن المستثمر في مشروعه. هو أن تُحل النزاعات بالحوار قبل أن تتفاقم، وأن تُفعّل سيادة القانون بعدالة لا تعرف التمييز. فالولاية التي عانت طويلًا من الاضطرابات، تحتاج إلى استقرار دائم، لا إلى هدنة مؤقتة.
وفي ميزان القيم، لا يمكن تجاوز النزاهة. فالوالي الذي لا يضع الشفافية منهجًا لن يستطيع أن يقنع الناس بخططه، مهما كانت براقة. المال العام أمانة، والموارد مسؤولية، وأي تنمية بلا وضوح مصيرها الشك قبل الفشل. المواطن اليوم أكثر وعيًا، وأشد تمسكًا بحقه في معرفة كيف تُدار ولايته.
أما التنمية، فهي الامتحان الحقيقي. جنوب كردفان تزخر بالأراضي الخصبة، والثروات الطبيعية، والطاقة الشبابية. لكنها تحتاج إلى إدارة واعية تحوّل الإمكانات إلى مشاريع، والأحلام إلى واقع. تحتاج إلى خطة استراتيجية واضحة، وإلى عدالة في توزيع الخدمات بين المحليات، وإلى اهتمام حقيقي بالصحة والتعليم والبنية التحتية، لا وعود تُستهلك في المنابر.
والوالي الذي نريده هو من ينزل إلى الميدان، لا من يكتفي بالتقارير. من يستمع إلى المزارع في حقله، وإلى المرأة في قريتها، وإلى الطالب في مدرسته. فالقرب من الناس ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للحكم الرشيد.
في النهاية، ليست القضية من يكون الوالي، بل كيف يكون.
ليست القضية الاسم، بل الميزان الذي نزن به الاختيار.
فإذا وُضع الإنسان أولًا، وكانت العدالة أساسًا، والتنمية هدفًا، والنزاهة منهجًا، فإن جنوب كردفان تستطيع أن تعبر هذه المرحلة بثبات.
أما إذا اختلت المعايير، فستبقى الولاية تدور في دائرة الأزمات.
هكذا يقول ميزان القيم.