قراءة في خطاب الهوية والانقسام في السودان

 

#أكذوبة_التنوع
قراءة في خطاب الهوية والانقسام في السودان

بقلم د/خالد اسماعيل تية

في العام 2004، وبينما كانت نيران الحرب مشتعلة في إقليم دارفور، أُبتعث عدد من الزملاء الاطباء السودانيين لدورة تدريبية في مدينة نيويورك. روى أحدهم، وهو من منطقة الجزيرة ذات الأغلبية المصنفة “عربية”، أن مشاركة أمريكية خاطبتهم قائلة: “لا تعودوا إلى السودان، فقد يقتلكم العرب الجنجويد!”. المفارقة أن جميع الحضور السودانيين كانوا من ذات الفئة الإثنية التي وصفتها السيدة الأمريكية بأنها الخطر المحدق.

وفي واقعة مشابهة، وخلال رحلة لي في إحدى حافلات لندن، وقفت بجوارنا سيدة إثيوبية، وبدأت تسأل: “هل أنتم من إثيوبيا؟” فقلنا لا. ثم تابعت: “إرتريا؟ جيبوتي؟ الصومال؟” ولم تذكر السودان حتى أُخبرتها بأننا سودانيون، فدهشت. ليعقب زميلي: “لكن لا اختلاف كبير بين شعوب هذه الدول ونحن!”.

تدل هذه المشاهد اليومية على مفارقة عميقة: فبينما يُستخدم “التنوع” بوصفه مدخلاً سياسياً وأيديولوجياً لتبرير الانقسامات والصراعات، لا يكاد يظهر في سياق التفاعل الإنساني الخارجي كفارق جوهري يُميز السودانيين عن محيطهم أو عن بعضهم البعض.

التنوع السوداني: واقع أم متخيل سياسي؟
التنوع في السودان أمر لا يمكن إنكاره من حيث الوجود الثقافي واللغوي والإثني، لكن تضخيمه واستخدامه كأداة للصراع يمثل إشكالية كبرى. فالسودان، برغم مساحته الجغرافية الشاسعة، لا يتسم بتعقيدات تضاريسية تحول دون التواصل أو التداخل بين مكوناته. كما أن عدد سكانه قليل نسبياً، والهجرات الداخلية المتكررة والتزاوج والتلاقح الثقافي والبيولوجي كلها أسهمت في خلق نسيج مجتمعي متقارب في سماته العامة.

في الواقع، تتشابه الأغلبية الساحقة من السودانيين في ملامحهم البيولوجية، أنماط حياتهم، طقوسهم الاجتماعية، موسيقاهم، وأزيائهم. يتحدثون جميعاً العربية بمستويات مختلفة من اللهجة، من الشمال إلى أقاصي الجنوب قبل الانفصال، بما في ذلك لهجة “عربي جوبا”.

إلا أن “الدولة” – بدءًا من الإدارة الاستعمارية البريطانية ومرورًا بالحكومات الوطنية – لا سيما نظام الانقاذ / الحركة الاسلامية – لعبت دورًا محوريًا في تعزيز الفروقات و”صناعة الهويات”، وفقاً لاستراتيجية “فرق تسد”. وقد استثمرت النخب الحاكمة – وحتى المعارضة – في خطاب الهوية والانقسام، بغرض شرعنة السلطة أو بناء مشروعية بديلة مضادة، دون أدنى اعتبار لمآلات هذه الممارسات على وحدة الدولة والمجتمع.

نماذج مقارنة: التنوع كقوة دافعة للتنمية
في المقابل، يُظهر النموذج الماليزي تجربة مغايرة. خلال دراستي في جامعة مالايا بماليزيا، لاحظت التناغم بين الطلبة رغم اختلافاتهم الدينية والعرقية. كان في الغرفة الواحدة طلاب من أصول ملايوية مسلمة، وصينيون بوذيون، وهنود هندوس. يتحدث كل منهم لغته الأم، لكن لغة التواصل بينهم هي الإنجليزية، وقد نجح هذا التنوع في خلق بيئة تعاون لا تعرف التراتب العرقي أو الديني.

يكمن الفارق هنا في تعامل الدولة: حيث تُمأسس التنوع ضمن إطار وطني جامع يضمن العدالة والمساواة، بدلاً من استغلاله كأداة للهيمنة أو الإقصاء. لقد تحول “التعدد” في ماليزيا إلى مصدر قوة مجتمعية وإبداع اقتصادي، وهو ما غاب في الحالة السودانية، حيث أضحى التنوع أداة للصراع والاحتراب.

خاتمة
قضية التنوع في السودان، وإن كانت حقيقة واقعية، إلا أن استخدامها السياسي المُمنهج قد قاد إلى تفتيت النسيج الوطني وزرع الكراهية والشك بين المكونات الاجتماعية. وإذا لم يُعاد النظر في الخطاب السائد حول الهوية والانتماء، فإن سيناريوهات الانقسام والتشرذم ستظل ماثلة. ما نحتاجه ليس الاحتفال الرمزي بالتنوع، بل صياغة عقد اجتماعي جديد يُعلي من قيم المواطنة، العدالة، والاحترام المتبادل.

 

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.