جبال النوبةبين سطوة الرمز وغياب المشروع

 

جبال النوبة بين سطوة الرمز وغياب المشروع

بقلم محمد سومي كافي أبو نسيبة

متابعات/ افاق برس 

تُعدّ قضايا جبال النوبة من أكثر القضايا السودانية تعرضًا للاختزال في المجال العام، إذ غالبًا ما تُقدَّم بوصفها مرتبطة بأشخاص بعينهم، لا بمشروعات سياسية أو برامج تنموية واضحة المعالم. فعند تناول جبال النوبة، يتقدّم ذكر القيادات على النقاش حول الرؤى، وتطغى السيرة الذاتية على الخطة، ويُستبدل التفكير البرنامجي بالتركيز على الأسماء. هذه الظاهرة تثير سؤالًا جوهريًا حول أسباب هذا الاختزال: هل هو نتيجة ضعف في البناء الفكري والتنظيمي؟ أم انعكاس مباشر للظروف الاقتصادية والاجتماعية؟ أم أنه نتاج سياق سياسي وتاريخي أعمق يتعلق ببنية الدولة السودانية نفسها؟

لفهم هذا الواقع، لا بد من التوقف عند تاريخ الإقصاء البنيوي الذي عانت منه جبال النوبة منذ نشأة الدولة الوطنية. فقد ظلت المنطقة بعيدة عن دوائر التخطيط والقرار المركزي، من حيث التنمية المتوازنة والتمثيل العادل والمواطنة المتساوية. وفي مثل هذا السياق، حيث تغيب المؤسسات الفاعلة وتتراجع الثقة في الدولة، يتجه المجتمع بطبيعته إلى البحث عن شخصيات تمثله وتعبّر عن مطالبه. ومع مرور الزمن، تتحول هذه الشخصيات من أدوات تعبير مؤقتة إلى عناوين ثابتة للقضية نفسها، فتتراجع الفكرة لصالح الشخص، ويصبح المشروع تابعًا للاسم لا إطارًا جامعًا له.

غير أن ربط قضايا جبال النوبة بالأشخاص لا يعني فقر المنطقة في الأفكار أو غياب الرؤى. على العكس، تزخر جبال النوبة بإرث غني من الأطروحات الفكرية والسياسية، وبكفاءات قادرة على إنتاج برامج جادة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف تحويل هذه الأفكار إلى مؤسسات مستقلة ومستدامة، قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأفراد. فغياب الأطر المؤسسية، وقلة الإنتاج البرنامجي المكتوب، وضعف آليات التداول والنقد، جعل الأفكار عرضة للتآكل، بينما ظل الشخص هو العنصر الأكثر حضورًا واستمرارية في الوعي العام.

تُسهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية في تعميق هذا النمط. فالفقر الممتد، والنزوح، وانعدام الاستقرار، كلها عوامل تضغط على المجتمع وتحدّ من قدرته على الانخراط في تفكير إستراتيجي طويل المدى. وفي بيئة تُثقلها هموم المعيشة اليومية، يميل الناس إلى الارتباط بالشخص القريب منهم، الذي يشاركهم التجربة ويخاطب احتياجاتهم المباشرة، أكثر من ارتباطهم ببرامج مكتوبة قد تبدو بعيدة الأثر أو مؤجلة النتائج.

كما لعبت سنوات الصراع الطويلة دورًا مؤثرًا في تشكيل طبيعة الخطاب العام حول جبال النوبة، حيث تراجعت اللغة السياسية التحليلية لصالح خطاب يقوم على القيادة الفردية واتخاذ القرار المركزي. ومع غياب الفضاءات المدنية المستقرة، ضعفت فرص تطور نقاش برامجي مفتوح حول السياسات العامة، وأصبح التركيز منصبًا على الأدوار الفردية أكثر من الأطر الجماعية. وقد لعب صناع القرار منذ ما بعد الاستقلال وحتى اليوم دورًا رئيسيًا، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ مفهوم الفردانية، وتوجيه القوم ليقودهم رجل واحد، كما لو كان قطيعًا، من خلال ما كان يُعرف بمسؤول الملف، وغالبًا من خارج الرقعة الجغرافية، ثم من خارج الكتلة الإثنية الغالبة، مع ترجيح أصحاب المشتركات الهوياتية، ثم من خلال من يختاره صاحب القرار في مركز السلطة، مهما كانت إمكاناته القيادية والإدارية. وقد أصبح ذلك نوعًا من الترميز المفروض فردانيًا، ما جعل النخبة المثقفة زاهدة في التعاطي الكلي مع قضاياها، وهو أمر يحتاج إلى استدراك حتى لا يتفاجأ صناع القرار بخروج كل هذه الكتلة، منه ومن الوطن، كما حدث عند انفصال جنوب السودان عن شماله.

ولا يمكن تجاهل دور الإعلام وبعض النخب في تكريس هذا الواقع. فكثيرًا ما يُقدَّم ملف جبال النوبة عبر أصوات محددة، دون إفساح المجال لتعدد الرؤى أو مناقشة البدائل البرامجية المختلفة. كما أن اختزال القضايا المعقدة في أشخاص بعينهم يوفّر سردية مبسطة وسهلة التداول، لكنها في الوقت نفسه تُضعف النقاش العام وتُفرغه من مضمونه الإستراتيجي.

إن تجاوز هذا النمط يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الشخص والمشروع. فالأفراد، مهما كانت أدوارهم، يجب أن يُنظر إليهم بوصفهم فاعلين داخل مشروع أوسع، لا بدائل عنه. والمطلوب اليوم هو نقل مركز النقاش من سؤال الأشخاص إلى سؤال البرامج: ماذا نريد لجبال النوبة؟ وما هي السياسات والآليات القادرة على تحقيق ذلك في إطار دولة المواطنة والعدالة؟

إن قضايا جبال النوبة، في جوهرها، ليست قضايا أشخاص، بل قضايا حقوق وتنمية وعدالة اجتماعية. والانتقال من ثقافة الشخصنة إلى ثقافة المشروع ليس خيارًا فكريًا فحسب، بل ضرورة سياسية لضمان استدامة أي مسار تغييري. فالمشروعات وحدها هي التي تملك القدرة على الاستمرار والتطور، أما الأشخاص، فدورهم الحقيقي أن يكونوا أدوات لخدمة الأفكار، لا أن تتحول الأفكار إلى ظلال لأسمائهم.
نواصل

سومي كافي أبو نسيبة

 

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.