يا أبناء جنوب كردفان – جبال النوبة
اتركوا الأنانية الذاتية والتصنيف السالب والمجموعات… والتفوا لتحافظوا علي الاقليم وإنسانه النبيل
بقلم/ محمد سومي كافي أبو نسيبة
يا أبناء جنوب كردفان، يا أهل الجبال الشامخة والسهول الصابرة، يا من صاغتكم المعاناة رجالًا ونساءً يعرفون معنى الصبر والكرامة والتضحية. إن ما يمر به إقليمنا اليوم ليس حدثًا عابرًا، ولا ظرفًا مؤقتًا يمكن تجاوزه بالصمت أو الانتظار، بل هو منعطف خطير لا يحتمل مزيدًا من التشتت، ولا يسمح برفاهية الصراعات الصغيرة، ولا يغفر لنا التمسك بالأنانية الذاتية، ونحن نرى أرضنا تُنهك، وإنساننا يُستنزف، ومستقبل أبنائنا يُراهن عليه الآخرون.
لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح ودون مواربة: لن تُنقذ جنوب كردفان – جبال النوبة بالعواطف وحدها، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بالبطولات الفردية، بل بمشروع جامع، ورؤية مشتركة، وإرادة جماعية تتجاوز الأنا والمصالح الضيقة، وتضع الإقليم فوق كل اعتبار.
إن أخطر ما واجه جنوب كردفان لم يكن الحرب وحدها، ولا التهميش، ولا الفقر، بل الانقسام الداخلي، وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وتحويل الخلافات الطبيعية إلى معارك كسر عظم. كم من فرصة ضاعت لأن شخصًا أراد أن يكون في الواجهة وحده؟ وكم من مبادرة فشلت لأن مجموعة رفضت العمل إلا إذا كانت هي القائدة؟ وكم من دمعة أمٍّ سالت، وكم من وجع طال، لأننا لم نتفق في الوقت المناسب؟
فالأنانية ليست اختلاف رأي، بل سلوك مدمّر حين يصبح الوطن وسيلة لا غاية، وشعارًا يُرفع لا مسؤولية تُحمل. وجنوب كردفان، في حقيقتها، أكبر منا جميعًا. لا تحتاج أبطالًا موسميين، ولا زعامات صاخبة، بل تحتاج رجال دولة، ونساء وعي، وشباب مشروع. تحتاج من يدرك أن الإقليم أكبر من القبيلة، وأبقى من التنظيم، وأقدس من الحسابات الضيقة، وأن التاريخ لا يذكر من انتصر لنفسه، بل من أنقذ شعبه وحمى كرامته في اللحظات الفاصلة.
إن الحاجة اليوم ماسة إلى مشروع إنقاذ حقيقي، يقوم على وحدة الصف لا وحدة الشعارات، وعلى الاتفاق حول الأولويات الواضحة: الأمن، والغذاء، والصحة، والتعليم، والكرامة الإنسانية. مشروع يحترم التنوع بوصفه مصدر قوة لا أداة استغلال، ويدير الخلاف بالحوار لا بالتخوين، ويُشرك الجميع دون إقصاء أو وصاية، مشروع لا يُبنى ضد أحد، بل من أجل جنوب كردفان، ومن أجل إنسانها أولًا وأخيرًا.
وإلى النخب والقيادات، من حملة الأقلام وأصحاب المنابر وقادة التنظيمات والمبادرات، نقول: إن التاريخ يراقبكم، والأجيال القادمة ستحاسبكم. فإما أن تكونوا جسورًا للعبور نحو المستقبل، أو جدرانًا تسد الطريق. إما أن تخلدكم المواقف، أو تبتلعكم الهامشية. تواضعوا من أجل الإقليم، وتنازلوا من أجل الناس، واتفقوا من أجل الغد.
وإلى شباب جنوب كردفان، أنتم الوقود الحقيقي لأي تغيير، فلا تسمحوا لأحد أن يورثكم كراهيته، أو يستثمر في غضبكم. اصنعوا وعيكم بأنفسكم، وكونوا جزءًا من الحل، لا وقودًا لصراعات قديمة تُعاد بثوب جديد.
ختامًا، يا أبناء جنوب كردفان – جبال النوبة، إن اللحظة لا تحتمل التأجيل، والتاريخ لا ينتظر المترددين. اتركوا الأنانية الذاتية، والتصنيفات السالبة، والاصطفافات الضيقة، والتفوا حول مشروع جامع لإنقاذ الإقليم. فإما أن ننقذ جنوب كردفان معًا، أو نضيع فيها متفرقين، ويكتب غيرنا مستقبلنا.