نحو توافق وطني حقيقي بعد حرب الكرامة

نحو توافق وطني حقيقي بعد حرب الكرامة
بقلم: محمد سومي كافي (أبو نسيبة)

متابعات /افاق برس

 

يشهد السودان اليوم مرحلة دقيقة وحاسمة من تاريخه الحديث، بعد أن كشفت حرب الكرامة عن عمق التحديات التي تواجه الوطن، وفي الوقت نفسه عن وحدة وجدانية فريدة تجلت في الميدان بين أبناء السودان من مختلف الاتجاهات والانتماءات. وفي ظل هذا الواقع، يبرز الحديث عن التوافق الوطني كأولوية لا غنى عنها، شرط أن يُبنى على أسس حقيقية تبدأ من وعي الشعب وإرادته الحرة، لا من تفاهمات النخب الضيقة.

رغم قسوة الحرب وما خلفته من دمار، إلا أنها أفرزت واقعًا وطنيًا جديدًا، فقد أعادت حرب الكرامة تشكيل الوجدان السوداني على قاعدة الانتماء للوطن قبل الانتماء للحزب أو القبيلة. أبرز ما كشفت عنه هذه المرحلة هو الوعي الجمعي المتنامي وسط الشباب، الذين كانوا وقود المعركة وسورها الحصين، حيث تلاشت أمامهم الفوارق السياسية والجهوية، فصار الدفاع عن السودان قضية واحدة يتوحد حولها الجميع، يمينًا ويسارًا، مدنيين وعسكريين. لقد أكدت الحرب أن الوطن حين يُهدد، تتوحد القلوب قبل البنادق، وأن السودان ما يزال يملك من أبنائه من يستطيع أن يحميه ويبنيه.

إن الدعوة إلى الحوار السوداني – السوداني ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ضرورة وطنية لتثبيت ركائز السلام الدائم وبناء الثقة بين المكونات، غير أن نجاح هذا الحوار مرهون بوجود آليات واضحة وشفافة تضمن مشاركة الجميع بلا إقصاء أو هيمنة. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن يبدأ الحوار من القاعدة إلى القمة، من أقل وحدة سكنية في القرى والمدن والفرقان، حتى يسمع صوت المواطن الحقيقي الذي عانى وشارك في الدفاع عن الوطن. الحوار الوطني الشامل يجب أن يكون منبرًا للشعب لا للنخب فقط، وأن يعبّر عن تطلعات الشباب والنساء والمزارعين والنازحين، لا عن حسابات المصالح السياسية الضيقة.

إن التوافق الوطني ممكن، ولكن لا يمكن تحقيقه إلا بعد توفر شروط تمهيدية حقيقية، أهمها وقف الحرب السودانية بقرار وطني خالص، نابع من إرادة أبناء الوطن، لا مفروضاً من الخارج، لأن السلام المفروض لا يصنع استقراراً بل يؤسس لأزمات جديدة. كما يجب رفض أي محاولة لإعادة إنتاج أو شرعنة مليشيا الدعم السريع تحت أي مسمى، فالسودان لا يبنى بالمليشيات، بل بجيش وطني واحد يحمي الدستور والأرض والكرامة. كما يجب إعادة بناء الثقة الوطنية بين القوى السياسية والعسكرية والمدنية عبر حوار شفاف ومسؤول، وإطلاق مشروع وطني جامع يقوم على العدالة والمواطنة لا على المحاصصة، وتجديد الخطاب السياسي ليتسق مع الوعي الجديد الذي أفرزته حرب الكرامة. وقد أثبت الواقع أن هناك حدًا أدنى من الاتفاق بين اليسار واليمين، تجلّى في المعارك التي جمعتهم في خندق واحد دفاعًا عن الكرامة الوطنية، وهذا الحد الأدنى يمكن أن يكون نقطة الانطلاق نحو مشروع وطني موحد.

ومن أبرز النتائج المتوقعة للحوار السوداني المرتقب، إعادة هيكلة الساحة الحزبية عبر دمج الأحزاب السياسية المتشابهة في الرؤى، ووضع قانون جديد للأحزاب يحدد معايير الشفافية والمساءلة، وتنظيم التمويل السياسي، وفرض الممارسة الديمقراطية الداخلية، وتحديد سقف زمني للقيادات لضمان تجديد النخب. فكثرة الأحزاب دون برامج وطنية واضحة أضعفت التجربة السياسية السودانية، وآن الأوان لبناء منظومة حزبية قوية تعكس إرادة الشعب لا مصالح الأشخاص.

لتحويل التوافق إلى واقع ملموس، لا بد من خطوات عملية واضحة ترسخ روح الوحدة وتفتح الطريق أمام المستقبل، وأهمها تأسيس مفوضية وطنية للحوار المجتمعي تشرف على جمع المبادرات المحلية وربطها ضمن رؤية وطنية موحدة، وإطلاق برامج توعية وطنية في المدارس والجامعات لترسيخ مفهوم “السودان أولاً”، وإعادة هيكلة الأحزاب السياسية وفق قانون عصري يضمن الشفافية والمساءلة، وإنشاء منتديات شبابية دائمة للحوار الوطني في كل ولاية لتخريج قيادات جديدة، وبناء آلية عدالة انتقالية وطنية تضع حداً لدوائر الانتقام وتفتح صفحة جديدة للمصالحة، وإطلاق مشروع وطني لإعادة الإعمار والتنمية بمشاركة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.

لقد علمتنا حرب الكرامة أن السودان لا يُقهر متى ما توحد أبناؤه. واليوم، نحن أمام فرصة تاريخية لتحويل الألم إلى أمل، والدمار إلى بناء، والفرقة إلى وحدة. إن الحوار الصادق والتوافق الوطني العادل هما مفتاح الخروج من النفق، وبداية الطريق نحو دولة القانون والمواطنة. فلنجعل من الكرامة التي دافعنا عنها أساسًا لبناء السودان الجديد، ولتكن رسالتنا الجامعة: “التوافق من أجل الكرامة والسلام الدائم.”

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.