نداء كردفان الكبري
لن ناكل اوراق الاشجار هذا العام
رسالة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء
بقلم /رشاد الدين دوليب
- Rashadaljak@gmail.com
نتوجه إليكم بهذه الرسالة لا ككلمات عادية نبحث بها عن نسبة مشاركة في الحكومة بل صرخة استغاثة من أعماق قلوب أبناء كردفان الكبرى حيث اننا نواجه واقعا مريرا من الحصار الخانق والتجويع والتجاهل ومهددون بمصير مجهول في ظل التداعيات الكارثية لتمدد الميليشيات في تلك المناطق.
هنالك واقع مأساوي وتهديد وجودي وموجات من النزوح بسبب انعدام الاحتباجات الضرورية للحياة .
لقد فاقمت الحرب من معاناة المواطنين بشكل غير مسبوق، فباتت المدن معزولة ويعاني السكان من نقص حاد في أبسط مقومات الحياة.
إن التصدعات العميقة في البنية السياسية والسيناريوهات المستقبلية المجهولة في كردفان الكبرى مخيفة للغاية وتستدعي تحركا عاجلا واستباقيا قبل ان يخرج الوضع عن السبطرة خاصة مع اقتراب اكتمال تشكيل الحكومة الجديدة. إن المهددات العديدة التي تواجه هذه الولايات بانقساماتها المجتمعية الراهنة تنذر بكارثة حقيقية قد تؤدي إلى تفكك نسيج الوطن ما لم تتجاوز حكومتكم نهجها الحالي في معالجة أوضاع كردفان.
هل تعلمون سيدي رئيس مجلس الوزراء إننا في مناطق كردفان الكبرى، خاصة جبال النوبة، أكلنا أوراق الأشجار العام الماضي؟ وحتى الآن لم يكتمل مشروع الحلول الموضوعية لمثلث الأزمات الخانق( الحصار قفل الطرق الرئيسية الجوع وانعدام الأمن) . هدفنا من هذه الرسالة هو حشد الإرادة الوطنية للتعامل مع المشكلات الكبرى في كردفان بنهج علمي وعملي، بعيدا عن أسلوب التسويات والترضيات. نسعى لدفع عجلة المعالجات الفورية المطلوبة لمواجهة حالة السيولة السياسية والأمنية والاجتماعية التي نعيشها.
لقد كنا نأمل أن يتضمن خطاب تدشين حكومة الأمل مساحة اعتبارية لحالات الطوارئ في الولايات المأزومة وعلى وجه الخصوص ولايات كردفان الكبرى. لكننا لم نجد تصورا عمليا يعالج التحديات العظيمة والملحة لترجيح المصلحة العليا للوطن والمواطن في تلك المناطق. فبينما يشعر البعض بالحماسة لسماع خطاب الأمل، يظل آخرون مثقلين بخيبات أمل متجددة.
ليتكم تعلمون أن مدينة الدلنج قد تصبح غدا خالية من الذرة والسلع الضرورية وأن جبال النوبة تستعد لإعلانها خالية من الأطفال بسبب زيادة حالات الوفياتفي اوساطهم ، وهبيلا الزراعية لن تصبح سلة غذاء الجبال ومشاريع كرتالا والجبال الستة بات يقتل فيها المزارعين في وضح النهار.
جاءت مخرجات خطابكم وخطوات بداية مشروع العمل التنفيذي لحكومتكم متأرجحة بين الثناء والانتقاد . لقد قدمتم حضورا لافتا بأداء منضبط، ولكن رغم الزخم التفاعلي الذي حمله خطابكم، فإنه لم يخل من عيوب، خاصة جزئية الوعود التي أعادتنا إلى زمن الوعود الوهمية، مما أثار تساؤلات حول مدى جدية التنفيذ. فما هو مصير التحديات الكبيرة مثل نجاح الموسم الزراعي، ووقف تفشي حالات النهب والسلب، الانفلات الأمني، فك الحصار، توصيل الغذاء، وظاهرة موت الأطفال جراء نقص الغذاء والدواء؟
تحتاج حكومة الأمل إلى الخروج من دائرة الحلول المؤقتة وردود الأفعال المرتجلة إلى تقديم حلول استباقية وعاجلة لوقف بدايات نزوح انسان جبال النوبة الي حيث المجهول بحثا عن الغذاء من خلال وضع معالجات فورية لإنسان كردفان الكبرى المتأزم، الذي أثر بالحرب والحصار بشكل مباشر.
سيدي الكريم رئيس مجلس الوزراء إسوة بتكريم نجوم الفن في شخص الفنان ابو عركي البخيت هناك نجوم للصبر والصمود في الأبيض، والدلنج، وكادقلي، والنهود، وفي قرى وضواحي شمال كردفان، يستحقون الزيارة والتكريم والمواساة، وتوفير الغذاء لسد رمق الجوع، ولسد الفراغ الذي خلفه فقدان أعمدة أسرهم بسبب التدوين العشوائي من قبل الميليشيات المتمردة.
وعلى رأس الأولويات، يجب استعادة كفاءة الخدمات الضرورية للمواطن بصورة عاجلة، وتفريج الضائقة المعيشية التي سحقت المواطنين، من خلال اعتماد برنامج إسعافي لتخفيف حدة الفقر ومعالجة تداعيات الحرب عن كاهلهم. كما يجب رفع كفاءة الخدمات الضرورية التي دمرتها الحرب، من صحة وتعليم ومواصلات وكهرباء وطرق. يجب أيضا مراجعة سياسات التعدين في تلك الولايات لصالح المجتمع المحلي الذي يعاني الجوع وتنهب موارده وثرواته، وإعمال الشفافية بشكل صارم، ومكافحة الفساد بشكل أكثر صرامة
لقد كشفت الأحداث الأخيرة في عدد من مدن كردفان الكبرى بوضوح شديد خطر المجاعة الذي يتعرض له المواطنون بصورة مهينة، مما أثار غضب الناس من عجز الدولة عن تقديم حلول فورية. أهل كردفان الكبرى يرفضون دائمًا الانصياع لظلم الحكام الذين تتأخر معالجاتهم.
منذ أن أديتم القسم رئيسًا للوزراء لحكومة الأمل في 31 مايو 2025، كنا نأمل أن تبشرونا بحلول إسعافية عاجلة لتلك المعضلات. ليس من الإنصاف تقييم تصريحاتكم الآن، فقد فضلنا الانتظار لحين دخول أدائكم حيز التنفيذ واكتمال تعيين آخر وزير، ولكن طال الانتظار. وحتى يأتي ذلك اليوم، ندعوكم لتذكر قضية حصار كردفان وفتح الطرق. لم ينل أهل كردفان الكبرى أي تطمينات بفك الحصار المفروض عليهم من قبل الميليشيات، ولم تجلب لنا فصاحة التصريحات أي مدخلات للإنتاج الزراعي أو حلول لوقف موت الأطفال، والكل يتذكر مجاعة العام الذي مضى ضمن مساحة أحزانه الكبيرة.
بعد عامين وبضعة أشهر من لهيب الحرب والحصار في كردفان، وما صاحبها من تداعيات متشعبة وآفاق قاتمة، قضت على مقولة “كردفان أم خيرا جوه وبره. خلف الحصار المفروض على كردفان تركة ثقيلة من التحديات المعقدة والتأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يتجاوز حدود وإمكانيات حكومة الأمل. لذا، قررنا أن ندشن سلسلة رسائل الموتى والجياع علكم تسمعون وتجدون طريقة مثالية وعالجة للتواصل مع الموتي خاصة جبال النوبة.
هذه دعوة استباقية لدعم وإنعاش الأمل الذي وُلد متضائلا في دواخلنا. سيناريوهات مستقبلية قاتمة تتراوح بين حرب أهلية طويلة الأمد وتقسيم كردفان إلى مناطق نفوذ متناحرة، وهي أمنية قادة الميليشيات الذين استغلوا الفراغ الأمني لتعزيز سلطتهم ونفوذهم.
إن خيار إهمال كردفان الكبرى ينطوي بالفعل على سلبيات ومخاطر كبيرة. عدم التزام المستويات التنفيذية في الحكومة بجدية معالجة تفاقم أزمة معاش الناس يعتبر أمرا في غاية الخطورة. هناك قضايا حيوية في عدد من المجالات يجب البت فيها وحسمها، خاصة حسم التمرد وفتح الطريق لإيصال المواد الغذائية ومتطلباتها الأساسية.
الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تقتضي منا جميعًا حشد كل الجهود المخلصة لدرء المخاطر التي تحيط بمناطق النزاعات المختلفة في كردفان، باعتبارها المخرج والوسيلة الأجدى لوقف كل أشكال تمدد الميليشيات. لكل الأسباب التي ذكرناها، لا بد من مراجعة وضعية كردفان الحالية، خاصة على المستوى التنفيذي، استنادا إلى معطيات الواقع، أملا في معالجة المرارات العالقة في النفوس التي لم تراوح مكانها منذ زمن طويل. نقترح أن يكون تحرككم سريعا وفعالا لمعالجة التحديات الراهنة.
نأمل أن تلقى رسالتنا هذه آذانا صاغية وقلوبًا واعية، وأن تستشعروا حجم المعاناة في كردفان.
فهل ستستجيب حكومة الأمل لصرخات أهالي كردفان قبل فوات الأوان؟