بين النداء والمسؤولية:
تأملات في دعوة الانضمام إلى #برلمان_الشعب_القومي
بقلم د/ خالد اسماعيل موسى
تلقيت دعوة كريمة من “حزب بناة السودان” للانضمام إلى “برلمان الشعب القومي”، وهي مبادرة مدنية رمزية، تهدف إلى بناء نموذج بديل للمؤسسات الرسمية الغائبة، من خلال إطار وطني مستقل يحاكي فكرة البرلمان من حيث الدور الرقابي، وتقديم المقترحات، وصناعة الرأي العام، دون أن يكون تابعًا للدولة أو مدفوعًا بمصالح سلطوية.
وبين التقدير العميق لهذا النوع من المبادرات، والتساؤلات الجدية التي أثارتها هذه الدعوة، وجدت نفسي مدفوعًا للتأمل في المعنى، والتبعات، والإمكانات، والمخاطر.
ليس هذا النوع من القرارات سهلًا، خاصة في ظل بيئة سياسية معقدة كالتي يعيشها السودان الآن، حيث تتقاطع المبادرات المدنية مع الصراعات العسكرية، ويتحول كل تحرك جماعي إلى مساحة تأويل وتوجّس، بل أحيانًا إلى ساحة استهداف.
لكن ما جعلني أتوقف مطولًا أمام هذه الدعوة، هو إدراكي العميق بأننا نعيش لحظة انهيار نادر في المعنى: فالدولة لم تعد تُمثل الجميع، والأحزاب فقدت القدرة على إلهام الجمهور، والمواطن بات مهددًا في إنسانيته قبل أن يُطالب بحقوقه.
في هذا السياق، تبدو الدعوة إلى تشكيل “برلمان شعبي” محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، وإحياء فكرة “التمثيل الطوعي” لا السلطوي، وطرح بدائل وطنية لا شعارات حزبية.
انطلاقًا من ذلك، وجدت أن هذه المبادرة ليست فرصة سياسية فقط، بل فرصة أخلاقية؛ فهي تفسح المجال أمام من يمتلكون الكفاءة، والالتزام، والرؤية، للمساهمة في مشروع وطني تطوعي مستقل، لا تحكمه الرواتب ولا الامتيازات، بل تحكمه قناعة عميقة بأن الانحياز لفكرة الدولة، ولو عبر أدوات رمزية، خير من الانكفاء أو الصمت.
وبرغم طابعها الرمزي، فإن برلمانات الظل أو البرلمانات الشعبية، كما تثبت تجارب أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء، قد تكون أداة قوية في بناء الشرعية المجتمعية، وتقديم المقترحات البديلة، وصناعة وعي سياسي مقاوم.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل ما يحيط بهذه المبادرة من أسئلة حقيقية ومشروعة: هل سيكون البرلمان الشعبي بالفعل منصة وطنية شاملة؟ هل سينجح في اجتياز الألغام الحزبية والأيديولوجية؟ هل ستتوفر له الحماية الكافية في ظل بيئة قمعية وحرب مفتوحة؟ وهل يمتلك من يقف خلفه الوعي السياسي والتنظيمي اللازم لضمان النزاهة والشفافية والاستقلال؟
هذه ليست أسئلة تشكيكية، بل شروط مسبقة للاستمرار. وأنا حين أفكر في القبول، أفكر من موقع المساهم لا التابع، من موقع القادر على النقد من الداخل، لا المهلل من الخارج.
من الناحية الشخصية، لا أدخل إلى هذا النقاش من موقع “الفاعل الجديد”، فقد كنت قبل أكثر من عشرين عامًا منتميًا إلى أحد التيارات السياسية السودانية المعروفة. ولكن بعد سنوات قليلة من الانخراط، اخترت أن أغادر، لا لأنني تراجعت عن القيم التي دفعتني للانتماء، بل لأنني أدركت أن التنظيمات حين تفقد مرونتها وأخلاقيتها، تتحول إلى عبء على الوطن لا أداة لتحريره.
منذ تلك اللحظة، قررت أن أكون في صف الوطن، لا في صف أداة سياسية بعينها. هذه التجربة القديمة، رغم بعدها الزمني، منحتني وعيًا عميقًا ببنية العمل السياسي، وأكسبتني مناعة ضد التورط في أي مشروع لا يقوم على الوضوح والمحاسبة والانفتاح.
الانتماء السابق لا ينتقص من صدقيتي اليوم، بل يؤكد أنني أملك شجاعة المراجعة، وجرأة الانفصال عن الأطر الحزبية حين تتقاطع مع المصلحة الوطنية. وأدرك أن وجود ماضٍ سياسي، حتى لو كان قديمًا، قد يثير التساؤلات، لكنني على يقين بأن الصدق مع الذات، والشفافية في التعامل مع الآخرين، كفيلان بنزع سلاح الشك والتشكيك. فالحياة السياسية النزيهة لا تقوم على الطهارة المطلقة، بل على القدرة على التعلم من التجربة، والمضي قدمًا بخطوات واثقة، نحو بناء وطن يسع الجميع.
أما عن المؤهلات المطلوبة للمشاركة في هذا النوع من المبادرات، فهي ليست مجرد شهادات جامعية أو ألقاب مهنية، بل تشمل القدرة على العمل الجماعي، والالتزام الأخلاقي، والاستقلال الفكري، وفهم التوازن بين المعارضة والمواطنة، بين المقاومة والانضباط، بين الحلم والمسؤولية.
وهذا ما يجعل الانضمام إلى البرلمان الشعبي تكليفًا لا تشريفًا، اختبارًا لا فرصة، عبورًا نحو مجال شائك يتطلب شجاعة مدنية، أكثر مما يتطلب شعارات أو تصريحات.
إن قبول الدعوة إلى “برلمان الشعب” لا يعني الاصطفاف خلف حزب أو تيار، بل هو انخراط في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فكرة الوطن. هو امتحان للمصداقية الفردية في ظرف تتساقط فيه كثير من الأقنعة. فإن كان في هذا الانخراط فرصة لإحداث أثر، ولو محدود، فلن أتوانى عن المحاولة. وإن كان المصير هو الفشل، فسأكون على الأقل قد اخترت الوقوف في الصف الصحيح، لا صف المتفرجين.
أكتب هذه الكلمات لأنني أؤمن أن اللحظات الحرجة تحتاج إلى قرارات أخلاقية، لا تكتيكية. وإلى وعي بحدود الذات، دون أن يتحول هذا الوعي إلى ذريعة للانسحاب.
ربما يكون انضمامي لهذا البرلمان محطة عابرة، وربما يكون بداية جديدة. لكن الأهم من ذلك، أن يكون القرار منسجمًا مع ضميري، وتاريخي، وأملي في هذا الوطن المنهك أن ينهض من جديد.
د. خالد اسماعيل موسى تيه
طبيب استشاري اشعة
سلطنة عُمان