رجال حول القوات المسلحة (37)
الملازم أول صلاح الدين محمد صابون… سير الرجال وعزم الأبطال
العميد م. د. محمد الزين محمد — 19/6/2025
من أعالي جبال الدلنج بجنوب كردفان، برز الملازم أول صلاح الدين محمد صابون، وقد تشرب بصفات أهلها العظماء، وليكتب إسمه في سجل البطولات، شأن أرباب العزائم والقوة التي لا تضعف أو تلين. وقد اشتهر صابون في ميادين القتال كمقاتل جسور، لا يعرف التراجع ولا الخذلان. وقد عرفته خلال عملي في الاستخبارات، فشهدت فيه رجل الميدان بحق؛ حاضر الذهن، ثابت العزيمة، صادق الانتماء، لا يتأخر عن النداء، ولا يتردد في مواجهة المهام الصعبة.
“جنابو صابون” كما يحلو للجميع أن يطلق عليه، أحد أبناء الدفعة 18 التأهيلية، سليل مدرسة الإستخبارات العسكرية السودانية، التي أنجبت أعظم رجالات الوطن. وما فتئت حتى يرث الله الأرض ومن عليها. من نواة العمل الخاص في أم درمان، ومن أبرز من خطّط ونفّذ عمليات نوعية في عمق مناطق الاشتباك في حرب الكرامة ضد الجنجويد. فقد ٱتاه الله شهامة وقوة وجسارة. وتجلى دوره الحاسم – من ضمن آخرين – في إلتقاء جيش منطقة أمدرمان مع جيش منطقة وادي سيدنا، كما ساهم بدور جبار وفاعل في تحرير مناطق الصالحة وأمبدات، وذلك قبل أن يُصاب بإصابة خطيرة في أثناء المعارك.
لكن، ما أن بدأت تدب فيه العافية إلا وعاد إلى الميدان وكأن شيئاً لم يكن، (واذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام). يحمل حب الوطن والذود عنه بشرف وتفان، يحمل روحه على كفه، فذلك ( ما عاهدو الله عليه). يقاتل بثبات الرجال الأشداء. وعزيمة الابطال الأقوياء …ولسانه قول الشاعر والمغني (ورينو العدو واقعدوا فراجه).
كان أول ضابط يبلغ سلاح المهندسين في بداية حرب الكرامة، وأول من غنم عربات عسكرية من العدو، وقد عرفته الميادين ببسالته وشجاعته ألاّ متناهية، وقد شارك في أكثر المعارك ضراوة ونجاحاً، وكان له فيها القدح المعلى وأبرزها معركة الإذاعة، ومعارك فتح شارع كرري، ومجمع الجمهور1 و2، ومعارك الدوحة، أمبدة السبيل، عابدين، الفتيحاب بكل مربعاتها، الراشدين، برج زين، برج التأمينات، برج النخيل، برج البستان البنك العقاري، وغيرهم.
أي رجال هؤلاء وأي تضحيات وأي مجد سطروه بقتالهم ودمائهم؟ إنّ بلداً ينجب الملازم صابون لن ينهزم ولا يعرف الهزيمة أو الهوان أو الإستسلام. لم تكن هذه المعارك مجرد إشتباكات، بل كانت فصولاً من بطولة مكتملة، قاد فيها صابون رجاله وسط المدافع والقتال المتواصل والدفاع المستميت
كان مثالاً للقائد الجسور، الذي لا يتخلى عن جنوده. ولا واجبه، يدفعه في ذلك حب الله والوطن، علم أن العمر الكريم يشترى بشرف القتال وعزم الأبطال وأن جزاءهم عند الله أبقى فعملوا لإحدى الحسنيين . وفوق جسارته وقتاله تمتع بانسانية رحيبة تجاه جنوده فقد كان يبادر بمساعدة المدنيين في المناطق المنكوبة. كما شارك في تأمين المياه، والغذاء، وإجلاء المصابين، وعُرف بدعمه الكبير لمواطني المربعات، المهندسين، وحي بانت، وكان ثباته، وعزمه عضدا وسندا لكل من لجأ إليه. وبفضل ما حباه الله من قوة وثبات بث ذلك في جنوده ومن حوله يقول تعالى (“يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ”).
أُصيب أربع مرات في المعارك، ويُعاني من مرض السكري، إلا أن ذلك لم يثاقله عن أداء واجبه. فظل يعاود أرض المعارك بكل قوة وعزم . عاد ليقود عمليات عبور الكباري، ويدخل جامعة أم درمان الإسلامية برفقة (النقيب مهدي) في مهمةٍ نوعية، كان فيها أول ضابط يقتحم هذه المنطقة الحساسة تحت نيران العدو.
وهو أول من أول من دخل برج زين بصحبة 15 جندياً، كان منهم 4 شهداء و4 مصابين، وواصل القتال دون أن يتراجع. أو يتزحزح شارك في حماية رئيس الجمهورية الأسبق عمر البشير برفقة( الرائد حسين الجاك،) ما يدل على ثقة المؤسسة العسكرية فيه، وقدرته العالية على العمل في المهام الخاصة والحساسة.
إن الملازم أول صلاح الدين محمد صابون إسم عظيم في كشوفات الجيش، بل هو رمز من رموز الكرامة والفداء، كماهي مسيرة وسيرة تُروى بفخرٍ في كل بيت، وتُدرّس في كل ميادين الشرف. هو من أبطال القوات المسلحة السودانية الذين خاضوا معركة الكرامة بعزة ودين وثبات ، وأرهبوا المليشيات الإرهابية بكل جسارة.
تحية إجلال وإكبار لهذا البطل، ولقواتنا المسلحة التي تنجب أمثاله. حفظ الله الملازم أول صابون، وأمثاله من أبناء السودان الميامين، وأعادهم إلى ديارهم سالمين منصورين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.