![]()
قراءة لكتاب الاشوس للاديب عبد العزيز بركة ساكن
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
shurkiano@yahoo.co.uk
في عصر صيفي في مدينة باريس في يوم الجمعة ٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٤م، وبمعيّة الصديق الرَّفيق مراد عبد الله موديا التقينا بالأديب الأريب عبد العزيز بركة ساكن في إحدى مقاهي باريس، حيث أهدى إليَّ ثلاثة كتب هي: “الجنقو مسامير الأرض” (2021م)، و”حذار من شرودينغر” وهي مسرحيَّة من فصل واحد (2024م)، ثمَّ “الأشوس الذي حلَّقت أحلامه مثل طائرة مسيَّرة” (2024م). لعلَّ هذا اللقاء كان هو الأول مع هذا الروائي الذائع الصيت. على أي، فقد تبادلنا أطراف الحديث، وإنَّه لشخص خلوق، وحين تلقاه أول مرَّة يُخال لك كأنَّك التقيت به من قبل، وذلك لأنَّه إنسان بشوش، وذو معشر ولوف.
وما أن عدت إلى بريطانيا حتى عكفت على قراءة رواية “الأشوس”. إذ تعتبر الرواية تصويراً حقيقيَّاً بارعاً لحرب الجنجويد، وتدويناً روائيَّاً لشر أعمالهم في دارفور والخرطوم والجزيرة، وتأصيلاً للروايات التي يتناولها السُّودانيُّون كتابة عن هذه الحرب اللعينة في وسائط التواصل الاجتماعي، أو شفاهة في مجالسهم العامة والخاصة، وذلك بكل ما تفرزه من انتهاكات مروِّعة في حقوق الإنسان الأساسيَّة، والمتمثلة في القتل والسبي والاغتصاب والتعذيب والنهب والتدمير والحرق، وما خفي أعظم.
إنَّ الأفاعيل الشنعاء التي تقوم بها ميليشيات الجنجويد، أو قوَّات الدعم السريع تلطفاً لئن شئت، أو المتمرّدة رسميَّاً لئن رغبت، تعود بنا القهقرى إلى الجدال السياسي اللازب الذي ظل يردّده المفكّرون السياسيون والفلاسفة حيناً من القرون عن طبيعة الإنسان. ذاك الجدال الذي ذهب فيه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679م) قائلاً: “إذا تُرك البشر على أهوائهم، فإنَّهم سينقلبون على بعضهم بعضاً في حرب ضروس ضد الكل؛ إنهم يحتاجون إلى مؤسَّسات حضاريَّة لكبح جماح غرائزهم الوضيعة.” أما في الجانب الآخر، فقد اختلف الفيلسوف الفرنسي جان-جاك روسو (1712-1778م)، وهو الذي قال: “إنَّ البشر، بطبيعة الحال، لطيِّبون، غير أنَّ المؤسَّسات التي ينشئونها هي التي تحوِّلهم إلى أوغاد.”
لا ريب في أنَّ كل المؤسَّسات التي أنشأتها دولة “الإنقاذ” العميقة كقوّات حرس الحدود، أو مليشيا الجنجويد، أو قوات الدعم السريع، حيث اختلفت المسمَّيات والأفعال واحدة، والمؤسَّسات السياسيَّة الأخرى الموازية لمؤسَّسات الدولة الرسميَّة قد أفسدت المجتمع السُّوداني، حتى بات البعد السياسي بين أفراد هذه الميليشيات المجيّشة وضحاياها شاسعاً، وظل التباعد النَّفسي وما ران على قلوبهم يزداد بين الحين والآخر بينهما، حتى بلغ أميالاً مستطالة.
اللواء أركان حرب وردان ود الفيل، الذي اكتسب لقبه “ود الفيل” نسبة لضخامة قدمه عظماً ولحماً، هو شخص ذي حظ نحس، وحظه التعيس هذا أشبه بحظوة طويس في الأدب العربي القديم. فمن ذا الذي يكون طويس ذاك الذي حمل الأدب العربي سيرته، وسار بها في الوديان والقيعان؟ طويس هو تصغير لكلمة طاؤوس، والعرب تصغر الأسماء للاحتقار، وهو من أصول زنجيَّة. مهما يكن من شأن، فإنَّ طويساً اسمه عيسى بن عبد الله عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم، وهو أول من غنَّى في المدينة المنوَّرة بالعربيَّة، وكان بارعاً في صناعته، وكان طويلاً مضطرباً أحول العين، ثمَّ كان مشؤوماً، وشخصيَّة عربيَّة يُضرب به المثل في الشؤم، فيقال: “أشأم من طويس”. قيل إنَّه وُلد يوم مات الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وفُطم يوم توفي الصدِّيق، واحتلم يوم قُتل عمر، وتزوَّج يوم قُتل عثمان، ووُلد له يوم قُتل الحسين بن علي، وقيل وُلد له يوم قُتل علي، حكاه ابن خلكان وغيره.
أما اللواء أركان حرب وردان ود الفيل، أي الشخصيَّة المحوريَّة في الرواية، فلم يسعده الحظ في الزواج، فكلما همَّ في الاقتران بإحدى الفتيات فإذا يتوفى أحد أقربائه؛ وإذا به ينفق ما جمعه من مال في المأتم؛ وإذا يحدث ذلك أكثر من مرَّة؛ وإذا النَّاس تتشاءم منه؛ ثم إذا فقيه القرية يوصيه على أن يقدم على عمليَّة هرطوقيَّة غير محبَّبة لنفسه، وقد تجلب له حسرات. في تلك الأثناء ينتهز اللواء أركان حرب وردان ود الفيل فرصة ذهبيَّة في حرب الدمباري، ومن ثمَّ يحاول أن يتسرّى بسلمى أبو سمرة أرملة العوض ود العوض، الذي قتله اللواء أركان حرب وردان ود الفيل ذاته عمداً وغدراً، وزعم أنَّ قاتله أحد المتفلِّتين من الأشاوس، وإنَّه لسوف ينال الجزاء الأوفى. في ثنايا صفحات الرواية تبرز مواهب الكاتب في إبراز الشعور المعقًد لشخصيَّة اللواء أركان حرب وردان ود الفيل، التي تتمثل في الخواء الفكري، واللهاث وراء الغايات الدنيويَّة غير ملاقيها، والقلق النامي في جوانيَّته وبرّانيَّته، وإذ إنَّما ليساوره هذا القلق في مسيرته بعد وفاة أقربائه كلما انتوى الاقتران بإحدى حسناوات القرية، التي نشأ فيها، والأمل المعقود على الزواج أو الجماع بسلمى أرملة العوض ود العوض المقتول غيلة. في اللحظات المبعثرة في مداخيل الكتاب يصف المؤلِّف شخصيَّات الرواية بين الفينة والأخرى، ويحاول أن يلج في عوالمهم المكتظة اكتظاظاً ليس بقليل بجرائمهم التي يشيب لها الولدان.
أما قصة الديك “ديك العوض لا بتناش ولا بتحاش”، أي لا يستطيع أحد أن ينوشه بسهمٍ أو طلقة ويقتله، ولا أن يتحاشى ظهوره وصياحه الذي ينذر بسوء. إنَّ في قصَّة هذا الديك حكاية، ثمَّ إنَّه لأسطورة أخرى، فلعلَّ ولادته تشي بإحدى عجائب المخلوقات. إذ يتنازع الأشوس ود الفيل بين أحلامه التي تحلّق مثل طائرة مسيّرة تارة، وبين الشيطان الذي يسكن لسانه تارة أخرى، وبين الظهور المفاجئ لديك العوض تارة ثالثة. وديك العوض، الذي أعطى الرواية بعداً أسطوريَّاً، هو ذاك الديك الذي شذَّ عن جميع ديوك المنطقة مثل ديك المسلَّميَّة، وديك البطانة، وديك العدَّة وغيرهم؛ ثمَّ إنَّ لفي أمره العجب العجاب. وها هو هذا الديك الغريب الأطوار يذكِّرنا بالديك الأحمر الذي ورد ذكره في رواية “تيس سليلة دربرفيل” للروائي الفيكتوري (أي عصر الملكة فيكتوريا في إنكلترا) توماس هاردي، وقد استعرضنا تلك الرواية، ثمَّ نشرنا استعراضنا يومذاك في وسائل التواصل الاجتماعي والصحف الإلكترونيَّة. أما “الشيطان الذي يسكن لسان ود الفيل”، ويقوم بما يقوم به في الأمر والنِّهي فقد أخذ طابعاً شكسبيريَّاً هو الآخر كما في شيطان بانكو الذي جاء في مسرحيَّة “مكبث”، والأرواح في مسرحيَّة “العاصفة”، أي في الأدوار التي يقوم بها الشيطان الرَّجيم، أو الأرواح الشريرة في المسرحيتين.
تمتاز الرواية بالسرد القصصي الممتع الجذّاب، وتحمل في ثناياها الأمثال الشعبيَّة المتداولة، والشعوذة المألوفة والممارسة في بعض أقاليم السُّودان. إذ يصف الروائي بركة ساكن السيرة الذاتيَّة لشخصيَّة الأشوس الأعظم، الذي يعني هنا الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بسخريَّة واقعيَّة مستحقة كقائد جنجويدي ميليشي، بزَّ غيره في تملُّقه وتسلُّقه، حتى وصل إلى تلك الرتبة العسكريَّة الرفيعة التي لا ينالها إلا أولو الألباب من خريجي الكليَّة الحربيَّة، وبرغم من ذلك بات ليس خبيراً عسكريَّاً فحسب، بل دهقوناً اقتصاديَّاً حتى نصبوه رئيساً للجنة الاقتصاديَّة، وظلَّ يستشيره رئيس وزراء حكومة الثورة في المسائل الاقتصاديَّة، برغم من أنَّ رئيس الوزراء هو خريج في أرقى الجامعات البريطانيَّة التي تقع ضمن مجموعة الخمس والعشرين جامعة والمعروفة ب”مجموعة رسل”. علاوة على ذلك عمل هذا الخريج الاقتصادي في المؤسَّسات الاقتصاديَّة الإقليميَّة والدوليَّة. المدهش في الأمر أنَّ هذا الأشوس الأعظم قد دان له أعضاء الحكومة، وصار بعض زعماء الأحزاب السياسيَّة سدنة له ولشيعته، وأضحى يُشار إليه بالبنان، حيث يمتلك مالاً وبنون، وقد تزوَّج بما طاب له من النساء.
لعلَّ اختيار شخوص الرواية، وألقابها فنٌ إبداعي في حدِّ ذاته، وهذا ما برع فيه الروائي الألمعي بركة ساكن، وإذا كان الشعب السُّوداني قد سمع بعبارة الأشاوس التي يردّدها أفراد الميليشيات الجنجويديَّة على جنودهم بين عشيَّة وضحاها، إلا أنَّ قليلاً لم يقع بالهم على عبارة الأشوس، التي قد تعني صيغة مبالغة على وزن الأفعل، وقد تكون مفردة الأشاوس. مهما يكن أمر، فقد انتهي مصير الأشوس أركان حرب وردان ود الفيل أن يصبح في عداد الزومبي بعد أن احتسى عسليَّة ملوَّثة بالريسين القاتل المصنوع من بذور نبات الخروع التي أعدتها سلمى الكيميائيَّة للتخلص منه ومن الأشاوس الآخرين. وفي نهاية المطاف وصف الجني وصفة غريبة لعلاج ود الفيل، وهي إعادته لأمه، أو سيفعل به فعل قوم قرى المؤتفكات، وهي سدوم وعمورة وأدومة وصبييم.
تجدر الإشارة إلى أنَّ عبد العزيز بركة ساكن كاتب مكثار في الإنتاج الأدبي، وقد عرفت دور النشر المختلفة والمترجمون، والدوائر المعرفيَّة إنتاجه باكراً. فعلى سبيل المثال – لا الحصر – نشرت له دور النشر “العاشق البدوي”، و”الجنقو مسامير الأرض”، و”مسيح دارفور”، و”الطواحين”، و”مخيّلة الخندايس”، و”على هامش الأرصفة”، و”موسيقى العظم”، و”الجني الذي قال أمِّي مريم إنَّه يُملي عليَّ القصص”، و”الرجل الخراب”، و”سماهاني”، و”منفستو الديك النُّوبي”، و”رماد الماء”، و”ما يتبقَّى كل ليلة من الليل”، و”روح امرأة الرصاص وابنته الجميلة”، وأخريات.
في نافلة القول نستطيع أن نقول إنَّ ما نكتبه في هذه الصفحات، وبهاتيك الكلمات القليلات لا يكفي الرجل حقه المستحق، لأنَّه إنسان غني عن التعريف، ثم إنَّه لعلمٌ يُشار إليه بالبنان في عالم الأدب والرواية، لكن حاولنا هنا أن نسبر غور الرواية إيَّاها، والتي قرأناها، ومن ثمَّ ارتأينا أن نبدي رأينا وغبطتنا بما لمسناه فيها.
بريطانيا، الخميس، الموافق ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٤م