إلى عبد الفتاح البُرهان
مقال بعنوان
*من شابٍ كان دَهّابياً في وطنه… ثم صار مديراً
تنفيذيا في الغربة
بقلم/عليم خضر
متابعات /افاق برس
عزيزي البرهان
لا ادري من اين ابدا
فالحديث عن السودان هذه الأيام يشبه الحديث عن بيتٍ قديم
نشأنا بين جدرانه، ثم عدنا إليه ذات مساء فوجدنا النار قد أكلت بعض الغرف، والريح تدخل من نوافذه المكسورة، وأهله واقفين في الفناء يتجادلون: مَن صاحب البيت؟
مع أن البيت، في حقيقة الأمر، يكاد ألا يبقى منه شيء.
ولهذا دعني، قبل كل شيء، أرسل إليك من هنا رسالةً تشبه الوداع.وفي الوداع شيءٌ من العتاب.
ليس عتاب رجلٍ لرجل، ولا خصومة مواطن مع حاكم، وإنما عتاب جيلٍ كامل وجد نفسه يدفع فاتورة أخطاء لم يرتكبها، ويقاتل في معارك لم يبدأها، ثم إذا انتهى صوت الرصاص، وأُغلقت المقابر، وجاء وقت الجلوس إلى المائدة ورسم شكل الغد، قيل له، في ما يشبه الصمت:
دعوا الأمر للكبار.
يا سيدي،
احكموا كما تشاؤون.
تنازعوا السلطة كما تشاؤون.
اقتسموا المناصب، وتحالفوا، واختلفوا، وتصالحوا، ثم اختلفوا من جديد.
فنحن قد تعبنا من الدوران في هذه الدائرة.
بل أقولها بشيء من المرارة: لقد كفر كثير منا بهذه اللعبة كلها.
كفرنا بها يوم رأينا أحلامنا البسيطة تتحول إلى ترف.
فنحن لم نطلب من السودان أن يكون أغنى بلاد الأرض، ولم نحلم بأن نستيقظ فنجد الخرطوم مثل سنغافورة.
أردنا أشياء أصغر من ذلك بكثير.
أردنا وطناً يستطيع فيه الشاب أن يعمل، ويتزوج، ويبني بيتاً، وينجب طفلاً دون أن يخاف من الغد.
أردنا أن يكون النجاح في السودان ممكناً، لا معجزة.
ولكن حتى هذا صار كثيراً.
وأريد هنا أن أحدثك عن نفسي، لا لأن قصتي مهمة، ولكن لأنها ربما تختصر قصة آلاف الشباب الذين لم يسألهم أحد ماذا يريدون.
كنت في السودان **دَهّابياً**.
أعرف رائحة التراب حين تُقلب الأرض بحثاً عن الذهب.
أعرف شمس المناجم، وغبارها، وتعب الرجال فيها.
أعرف كيف يقضي الشاب أيامه منحنياً فوق الأرض، يبحث في جوفها عن جرامات قليلة ربما تغيّر أسبوعاً من حياته.
كنت واحداً من هؤلاء.
زولاً يحمل حلمه على كتفه، ويضرب في الأرض بحثاً عن فرصة.
ثم خرجت إلى الغربة.
واليوم، وأنا في الثلاثين من عمري، أجلس على كرسي الإدارة التنفيذية في شركة كبيرة.
لم يتغير عقلي عند بوابة المطار.
ولم ينبت لي عقل جديد حين ختم موظف الجوازات تأشيرتي.
ولم تُستبدل يداي بيدين أخريين حين غادرت السودان.
أنا هو أنا.
الشاب نفسه.
الذي كان يبحث عن الذهب تحت تراب السودان، صار يدير عملاً ومسؤوليات وقرارات في بلاد الآخرين.
وهنا يطاردني سؤال لا أجد له جواباً:
**كيف يستطيع السوداني أن ينجح حين يغادر السودان، ثم يعجز السودان عن الاستفادة منه وهو بين أهله؟
أهي مشكلة في الشاب؟
أم في الوطن الذي لم يعرف بعد ماذا يفعل بشبابه؟
ربما كانت مأساتنا الكبرى أننا أصبحنا نصدر أفضل ما عندنا إلى العالم.
نعطي الخليج مدراءنا.
وأوروبا أطباءنا.
وأمريكا مهندسينا.
وأستراليا علماءنا.
ثم نجلس في السودان نتساءل:
أين الكفاءات؟
الكفاءات لم تختفِ يا سيدي.
**لقد هاجرت.**
هاجرت لأنها وجدت في بلاد الآخرين باباً، بينما ظلت تجد في وطنها جداراً.
وانظر حولك اليوم.
إخوتي يخرجون بالآلاف، يحملون ما خفّ من متاعهم وما ثقل من أحلامهم، ويركبون قوارب لا يعرفون إن كانت ستوصلهم إلى أوروبا أم إلى قاع البحر.
وآخرون تبتلعهم الصحارى.
وبعضهم يعود إلى المناجم.
يحفرون الأرض بأيديهم المتعبة تحت شمس لا ترحم.
أتدري لماذا؟
بعضهم لا يحفر بحثاً عن الذهب بقدر ما يحفر بحثاً عن **ثمن الرحلة
ثمن الطريق الذي سيُخرجه من السودان.
وهل توجد مفارقة أشد قسوة من أن يحفر الشاب أرض وطنه ليجمع المال الكافي كي يهرب من وطنه؟
سنذهب يا سيدي.
قد لا نذهب جميعاً في يوم واحد، ولن تحملنا طائرة واحدة ولا سفينة واحدة.
لكننا سنذهب تباعاً.
واحدٌ إلى الخليج.
وآخر إلى أوروبا.
وثالث إلى أمريكا.
ورابع إلى بلاد لا يعرف حتى كيف ينطق أسماء مدنها.
سنتفرق في الأرض كما تتفرق حبات السبحة إذا انقطع خيطها.
وسنترك لكم الجمل بما حمل.
الوزارات.
والقصور.
والمنابر.
والحراسات.
والاجتماعات الطويلة.
والخطب التي تبدأ باسم الوطن، ثم لا يجد المواطن نفسه في آخرها.
ولكن قبل أن نذهب، دعني أسألك سؤالاً يؤلمني أكثر من كل ما سبق:
**لماذا تثقون بالشباب عندما تحتاجون إلى مَن يموت، ولا تثقون بهم عندما تحتاجون إلى مَن يبني؟**
حين احتاج الوطن إلى الحشود، كان الشباب هناك.
وحين ارتفعت دعوات الاستنفار، كان الشباب في الصفوف.
وحين حان وقت حمل السلاح، حمله الشباب.
وحين تقدم الناس إلى مواضع الخطر، كان أكثر الوجوه التي تراها وجوهاً لم تكتمل فيها حتى تجاعيد العمر.
وحين جاءت سيارات الموتى، كان في داخلها شباب.
وحين حُفرت القبور، كان المدفونون شباباً.
والأشد إيلاماً أن الذين حملوا أجسادهم إلى المقابر، وحفروا لهم الأرض، وأنزلوهم إليها، وسوّوا عليهم التراب…
**كانوا شباباً أيضاً.**
الشباب في الصفوف.
الشباب في الخنادق.
الشباب في المستشفيات.
الشباب في الحشود.
الشباب في المقابر.
والشباب هم الذين يحملون النعوش.
لكن حين يأتي الحديث عن مستقبل الدولة، وعن الاقتصاد، وعن الإدارة، وعن إعادة الإعمار، وعن شكل السودان الذي سيخرج م عز
إذا كان الشاب أهلاً لأن تعطيه بندقية وتقول له: اذهب ودافع عن الوطن،
فكيف لا يكون أهلاً لأن تعطيه مكتباً وتقول له: تعال وابنِ الوطن؟
إذا وثقتم به في حياته، فكيف لا تثقون به في فكرته؟
وإذا رضيتم أن يقدّم دمه للسودان، فلماذا تستكثرون عليه أن يقدّم رأيه للسودان؟
هذه بلاد، يا سيدي، لا ينقصها الشباب.
ينقصها فقط أن ( تؤمن به)