اليوم العالمي للشعوب الاصلية

اليوم العالمي للشعوب الأصيلة ــحين تصبح الهوية


ذاكرة ومقاومة ورسالة المستقبل 

ماذا يعني ذلك لإنسان النوبة؟؟

 

 

بقلم: اعتماد الميراوي

 

في التاسع من أغسطس من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشعوب الأصلية، وهي مناسبة أممية لم تأتِ من فراغ، ولم تكن مجرد احتفال بالتراث والثقافات، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل من النضال من أجل الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية، وحماية هوياتها وثقافاتها ولغاتها وأراضيها ومواردها، وضمان مشاركتها في القرارات التي تمس حاضرها ومستقبلها.

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في 23 ديسمبر 1994 بموجب القرار رقم 49/214، وحددت التاسع من أغسطس موعدًا سنويًا للاحتفال به، تخليدًا لذكرى أول اجتماع للفريق العامل المعني بالسكان الأصليين في الأمم المتحدة، الذي انعقد في جنيف في التاسع من أغسطس عام 1982.

وهكذا أصبح التاسع من أغسطس محطة سنوية لتسليط الضوء على قضايا الشعوب الأصلية، وعلى ما تواجهه من تحديات تتعلق بالتمييز والتهميش والتهجير وفقدان الأراضي، وتهديد اللغات والثقافات، فضلًا عن ضرورة الاعتراف بحقها في الحفاظ على هويتها والمشاركة في صياغة مستقبلها.

الإعلان لم يكن وليد اللحظة

وقبل اعتماد اليوم الدولي، كانت قضية الشعوب الأصلية قد بدأت تجد طريقها بصورة أكبر إلى أجندة الأمم المتحدة.

فقد أعلنت الأمم المتحدة عام 1993 سنةً دولية للشعوب الأصلية في العالم، ثم جاء اليوم الدولي عام 1994، وأعقبه العقد الدولي الأول للشعوب الأصلية في العالم 1995–2004.

ويكشف هذا التسلسل أن المجتمع الدولي لم ينظر إلى قضية الشعوب الأصلية باعتبارها قضية ثقافية أو تراثية فقط، وإنما باعتبارها قضية حقوق وكرامة وعدالة ومشاركة وحماية للهوية.

ماذا يعني ذلك للنوبة؟

حين نتوقف أمام هذه المناسبة من زاوية سودانية، فإننا نجد أن للنوبة مساحة واسعة في هذا النقاش.

فالنوبة ليست مجرد منطقة جغرافية، وليست مجرد مجموعة من العادات والتقاليد التي نستعرضها في المناسبات؛ وإنما هي تاريخ وهوية ولغات وثقافة وذاكرة جماعية متوارثة عبر الأجيال.

والحديث عن النوبة في اليوم الدولي للشعوب الأصلية هو حديث عن ضرورة حماية هذا الموروث، وتوثيقه، ونقله إلى الأجيال الجديدة، والتعريف به داخل السودان وخارجه.

إن الاحتفال بهذه المناسبة ينبغي ألا يتحول إلى مجرد أزياء شعبية وأغانٍ ورقصات، رغم أن تلك المظاهر تمثل جانبًا مهمًا من التعبير الثقافي؛ وإنما يجب أن يكون مناسبة للحديث عن الإنسان النوبي، وتاريخه، وأرضه، ولغته، وتراثه، وحقه في الحفاظ على هويته والمشاركة في صناعة مستقبله.

النوبة في المنعطف السوداني الخطير

تكتسب المناسبة هذا العام أهمية مضاعفة، لأن السودان يعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث.

فالحرب لم تترك وراءها القتلى والجرحى والنازحين فقط، وإنما أصابت النسيج الاجتماعي، وأجبرت أعدادًا كبيرة من السودانيين على ترك مناطقهم وقراهم، وهددت كثيرًا من أشكال الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت تنتقل طبيعيًا من جيل إلى آخر.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على الهوية والثقافة جزءًا من الحفاظ على الإنسان نفسه.

فحين يُهجّر الإنسان من أرضه، فإنه لا يفقد منزله فقط؛ بل قد يفقد البيئة التي كانت تحتضن لغته وعاداته وذاكرته وعلاقاته الاجتماعية.

وحين تتشتت الأسر، يصبح نقل التراث إلى الأبناء أكثر صعوبة.

وحين تستمر الحرب، فإن الخطر لا يقتصر على تدمير المباني، وإنما يمتد إلى احتمال ضياع أجزاء من الذاكرة الجماعية.

المرأة النوبية.. حارسة الذاكرة

وفي هذا السياق، لا يمكن أن نغفل الدور التاريخي للمرأة النوبية.

فالمرأة ظلت عبر الأجيال واحدة من أهم حارسات الثقافة والذاكرة؛ تحمل اللغة إلى أطفالها، وتنقل العادات والقيم والحكايات والأغاني والأمثال، وتحافظ على تفاصيل الحياة الاجتماعية التي قد لا تجد طريقها إلى الكتب والسجلات الرسمية.

وفي زمن النزوح والحرب، يصبح دور المرأة أكثر أهمية.

فالأسرة التي تنتقل من مكان إلى آخر تستطيع أن تحمل معها بعض مقتنياتها، لكنها تحمل قبل كل شيء ذاكرتها.

وهنا يصبح الحفاظ على الذاكرة مسؤولية، ويصبح توثيق روايات الأمهات والجدات، وحفظ الأغاني والحكايات واللغات والعادات، عملًا وطنيًا وثقافيًا للأجيال القادمة.

من الاحتفال إلى الفعل

إن الاحتفال الحقيقي باليوم الدولي للشعوب الأصلية لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء التاسع من أغسطس.

نحن بحاجة إلى تحويل المناسبة إلى مشروع مستمر:

توثيق تاريخ النوبة وتراثها الشفهي والمكتوب.

الاهتمام باللغات النوبية وحمايتها من الاندثار.

تشجيع الدراسات العلمية المتعلقة بتاريخ وثقافة النوبة.

إنشاء أرشيف يحفظ الصور والوثائق والروايات والشهادات.

تشجيع أبناء النوبة في الداخل والمهجر على نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.

دعم المرأة والشباب في المبادرات الثقافية.

إدخال التاريخ والتراث المحلي في برامج التوعية والتعليم حيثما أمكن.

استخدام الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للتعريف بالثقافة النوبية بصورة علمية ومسؤولة.

الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق

ومن المهم أن نؤكد أن الاعتزاز بالهوية النوبية لا يعني الانغلاق عن بقية مكونات السودان.

على العكس، فإن السودان نفسه قام على التنوع.

فالسودان وطن متعدد الثقافات واللغات والمكونات، وقوة هذا التنوع لا تتحقق بطمس الخصوصيات، وإنما باحترامها والتعامل معها باعتبارها ثروة وطنية.

إن الاعتزاز بالنوبة لا يعني الانتقاص من الآخرين، كما أن الاعتراف بخصوصية أي مكون سوداني لا يعني تقسيم الوطن.

الوطن الذي يحترم تعدده هو الوطن الأكثر قدرة على بناء السلام.

رسالة إلى شباب النوبة

وفي هذه المناسبة، فإن رسالتنا إلى الشباب واضحة:

لا تسمحوا للحرب أن تسرق منكم تاريخكم.

ولا تسمحوا للنزوح أن يقطع صلتكم بجذوركم.

تعلموا لغاتكم، واقرؤوا تاريخكم، اسألوا آباءكم وأمهاتكم وأجدادكم عن الحكايات التي لم تكتب، وثقوا ما يمكن توثيقه، واحملوا ثقافتكم بثقة وانفتاح.

فالهوية التي لا يعرفها أصحابها قد تضيع، أما الهوية التي يعرفها أبناؤها ويفهمون تاريخها ويحترمون تنوعها، فإنها قادرة على البقاء.

في هذا المنعطف.. ماذا نقول؟

في اليوم الدولي للشعوب الأصلية، لا نريد أن يكون صوتنا مجرد صوت احتفالي.

نريد أن نقول إن حماية الإنسان والثقافة والهوية جزء من بناء السلام.

ونريد أن نقول إن الحرب يجب ألا تكون سببًا في ضياع الذاكرة.

ونريد أن نقول إن أبناء النوبة، كما كل أبناء السودان، يستحقون وطنًا يحترم كرامتهم وتنوعهم وحقوقهم، وطنًا لا تكون فيه الهوية سببًا للتهميش أو الإقصاء.

ونريد أن نؤكد أن الثقافة ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحروب؛ فالثقافة هي التي تحفظ للإنسان إحساسه بمن يكون، ومن أين جاء، وإلى أين يريد أن يمضي.

خاتمة

إن التاسع من أغسطس ليس مجرد تاريخ في أجندة الأمم المتحدة.

إنه تذكير للعالم بأن وراء كل شعب أصيل ذاكرة وهوية وأرضًا وثقافة وأجيالًا تستحق أن تعيش بكرامة.

وبالنسبة للنوبة، فإن الاحتفال بهذا اليوم يمكن أن يكون فرصة لاستعادة الثقة بالذات، وإعادة قراءة التاريخ، وحماية التراث، وتقوية الروابط بين أبناء النوبة في الداخل والمهجر، وتحويل الثقافة من مجرد موروث نتغنى به إلى مشروع حي للمستقبل.

نحن لا نحتفل بالنوبة لأنها تنتمي إلى الماضي، بل نحتفل بها لأنها جزء من الحاضر، ولأننا نريد لها أن تكون جزءًا أصيلًا من مستقبل السودان.

وفي هذا المنعطف الخطير، تبقى رسالتنا:

احفظوا الإنسان.. احفظوا الأرض.. احفظوا الذاكرة.. احفظوا الثقافة.

فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى أيضًا بالذاكرة والعدالة والاعتراف بالتنوع واحترام الإنسان.

وفي اليوم الدولي للشعوب الأصلية، نقول:

هويتنا ليست عبئًا على الوطن.ج. بل جزء من ثروته.

وثقافتنا ليس


ت من الماضي.. بل جسرنا إلى المستقبل.

وإذا كان شعار شعب النوبة في الاحتفال باليوم العالمي

للشعوب الأصيلة هذا العام

(اصالتيه. هويتي سبب استهدافي وقهري)

تصدوا لهذا الاستهداف بكل وعي

شاركها على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.